خبرك في عقر منديل، وإيقاد الفتيل دون قنديل، وسكنى الخان، وعدم ارتفاع الدخان، فما تقيم موسما ولا تعرف له مبسما، وأخذت معي في ذلك بطويل وعريض، وكلانا في طرفي نقبض، إلى أن قلت لها: أزارك وردائي، فقد تفاقم بك أمر دائق، وما أظنك إلا بعض أعدائي. قالت: مالك والأزار، شط بك المزار، لعلك تريد آرهانه في الأضحية والإبزار؟ أخرج عني يا مقيت، لا عمرت معك ولا بقيت، أو عدمت الدين، وأخذ الوزر بالعين، يلزمني صوم سنة، لا أغفيت معك سنة، إلا إن رجعت بمثل ما رجع به زوج جارتي، وأدى لك الربح في تجارتي، فقمت عنها وقد لوت رأسها وولولت، وابتدرت وهرولت، وجالت في العشاب وصولت، وضمت بنتها وولدها، وأقامت باللجج والانتصار بالحجج أودها، فلم يسعني إلا أن عدوت أطوف السكك والشوارع، وأبادر لما غدوت بسبيله وأسارع، وأجوب الآفاق، وأسأل الرفاق، وأخترق الأسواق، وأقتحم زربية بعد زربية، واختبر منها البعيدة والقريبة، فما استرخصته استنقصته، وما استغلبته استعليته، وما وافق غرضي، اعترضني دونه عدم عرضي، حتى انقضا ثلثا يومي، وقد عيبت بدوراني وصومي، وأنا لم نحصل من الابتياع على فائدة، ولا عادت علي فيه من فضاء الأرب عائدة، فأومأت للأباب وأنا أجد من خوفها ما يجد صغار الغنم من الذئاب، إلى مررت بقصاب في مجزره، قد شد في وسطه مجزرة مبزرة، وقصر أثوابه حتى كشف عن ساقيه، وشمر عن ساعديه، حتى أبدى مرفقيه، وبين يديه، عنز قد شد يديه في روقيه، وهو يجذبه فيبرك، ويجره فما يتحرك، وبروم سيره فيرجع القهقري، ويعود إلى وراه والقصاب يشد على أزاره، خفية من فراره، وهو يقول: آه له من جان باغ! وشيطان طاغ! ما أشده! وما ألده! وما أصده! وما أحده! وما أكثره بشحم! وما أطيبه بلحم! الطلاق يلزمه أن كان عابن تيسا مثله، أو أضحية تشهبه قبله، أضحية حفيلة، ومنحة جليلة، هناك الله من رزقها، وأخلف عليه رزقها.
فاقتحمت المزدحم أنظر مع من نظر، واختبر فيمن اختبر، وأنا والله لا أعرف في التقليب والتخمين، ولا أفرق بين العجيف والسمين، غير أني رأيت صورة دون البغل وفوق الحمار، وشكلا يخبرك عن صورة العمار (*) فقلت للقصاب، كم طلبك فيه، على أن نمهل الثمن حتى أوفيه؟ فقال أبغني فيه أجيرا، وكن له الآن من الذبح مجيرا، وخذه بما يرضى لأولي التقضي، قلت استمع الصوت، ولا تخف الفوت، قال ابتعه مني نسية، وخذه هدية، قلت نعم فسق لي الضمير، وماكنسي فيه بالنقير والقطمير. قال تضمن بي فيه عشرين كبارا، أقبضها منك لانقضاء الحول دينارا دينارا، قلت أن هذه لكثير، فاسمح منه بإحاطة اليسير، قال والذي خلق الحبة، وبرا النسمة، لا أنقصك من هذا وما قلت سمسمه، اللهم إن شئت السعة في الأجل، فأقضي لك ذلك دون أجل، فجليني للابتياع منه الإنساء في الأمد، وغلبني بذلك فلم افتقر مع لرأي والد ولا ولد، ولا أحوجت نفسي في ذلك لمشورة أحد، وقلت فم أشتريه منك فضع البركة، ليصح النجح في الحركة، فقال فقيه، بارك الله فيه، وقد بعته لك، فأقبض متاعك، وثبت ابتياعك، وهاهو في قبضك، فأشدد وثاقه، وهلم لنعقد عليك الوثاقة، فانحدرت معه لدكان التوثيق وابتدرت من السعة إلى الضيق، وأوثقني بالشهادة تحت عقد وثيق وحملني من ركوب الدين ولحاق الشين في أوعر طريق، ثم قال لي هذا نيسك فشأنك وأياه، وما أظنك إلا تنهياه. وآت بحمالين أربعة، فإنك لا تقدر أن ترفعه، ولا يتأتى لك أن يتبعك ولا أن تتبعه، ولم يبق لك من الكلفة إلا أن يحصل في محلك، فيكمل سرور أهلك، وانطلقت للحمال وقلت هلم إلي، وقم الآن بين يدي، حتى انتهينا إلى مجزرة القصاب، والعنز يطلب فلا يصاب، فقلت ابن النيس يا أبا أويس؟ قال إنه قد فر، ولا أعلم حيث استقر، قلت أتضيع علي مالي ليخيب آمالي؟ والله لا نحرنك بالعصى، كمن عصا، ولا رفعنك إلى الحكام، تجري عليك منهم الأحكام، قال مالي علم به، ولا يمنقلبه، لعله فر لأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، فعليك بالبريح.
فانحدرت أنادي بالأسواق، وجيران الزقاق، من تقف لي تيسا فله البشارة، بعد ما آتى بالإمارة، وإذا برجل قد خرج من دهليز، وله هدير وهزيز، وهو يقول، من صاحب العنز المشوم لا عدم به النوم، أن وقعت عليه عيني، يرتفع الكلام بينه وبيني، قلت أنا صاحبه، فما الذس دهاك مني، أو بلغك عني؟ قال أن عنزك حين شرد، خرج مثل الأسد، وأوقع الرهج في البلد، وأضر بكل أحد، ودخل في دهليز الفخارة فقام
* العمار: سكان البيوت من الجن.