تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لنشر مقامة كتبت في أواخر العصور الإسلامية بالأندلس وهي كما ذكرت آنفا مقامة الشاعر عبد الله الأزدي التي خاطب بها الأمير أبا سعيد بن نصر يستجديه أضحية بمناسبة عيد الأضحى.

ومقامة الأزدي كغيرها من المقامات، قصة قصيرة يطلها رجل متسول من بني ساسان، أحكم التحيل وقصر همه على تحصيل كبش من الأمير، فهي بمجملها حيل تفسر حياة مكد وما يقابله فيها من مأزق ومصاعب، كل ذلك في أسلوب مسجع مليء بالنكات المستملحة.

والمقامة فضلا عن طرافتها كقطعة أدبية، لها قيمتها التاريخية من حيث كونها صورة جزئية للمجتمع الغرناطي الذي كتبت فيه، والذي لا نعرف عنه إلا الشيء القليل لندرة المراجع التي تناولت الكلام عنه.

ففي هذه المقامة نجد أشكالا من الناس بمميزاتهم وأشكالهم وأخلاقهم النفسية والاجتماعية: الزوجة وكثرة مطالبها، والعجوز وتطفلها، والبائع ووضاعته، والجزار وزيه التقليدي، والموتق الذي يسجل في دكانه عقود البيع والشراء بالتقسيط، والمحتسب الذي يشرف من قبل الحكومة على الأسواق، والأمين الذي هو أشبه بنقيب يمثل أصحاب المهن التجارية والصناعية في السوق، ويسأل أمام المحتسب عن مشاكلهم، والشرطي الذي يحافظ على الأمن والنظام فيطرد ويجرد الباعة المذنبين وذلك بأمر من المحتسب أو الأمين، هذا عدا الإشارة إلى صناعة الفخار، وهو الفخار المالقي الذي طبقت شهرته الآفاق، فالمقامة ـ بعبارة أخرى ـ تعطينا صورة من صور الحياة الشعبية الغرناطية التي ما زلنا نتلمس بعض مظاهرها في حياتنا العادية في الوقت الحاضر.

نص مقامة ابن المرابع الأزدي كما وردت في كتاب الإحاطة (*)

يقول شاكر الأيادي، وذاكر فخر كل نادي، ناثر غرر الغرر للعاكف والبادي، والرائح والغادي: اسمعوا مني حديثا تلذه الأسماع، ويستطرفه الاستماع، ويشهد بحسنه الإجماع، وهو من الأحاديث التي لم تتفق إلا لمثلي ولا ذكرت عن أحد قبلي، وذلك يا معشر الألفاء والخلطاء والأحباء، أني دخلت في هذه الأيام داري، في بعض أدواري، لا قضي من أخذ الغذا أوطاري على حسب أطواري، فقالت لي رية البيت، لم جئت ولم أتيت؟ قلت جئت لكذا وكذا، فما الغذا؟ قالت لا إذا لك عندي اليوم، ولو أدى بك الصوم، حتى تسل الاستخارة، وتفعل كما فعل زوج الجارة، طيب الله تجاره، وملا بالأرزاق وجاره. قلت وما فعل؟ خبريني، وأريني من العلامة ما أحببت تريني؟ قالت إنه فكر في العبد، ونظر في أسباب التعبيد، وفعل في ذلك ما يستحسنه القريب والبعيد، وأنت قد نسيت ذكره، ومحوته من بالك، ولم تنظر إليه نظرة بعين اهتبالك، وعيد الأضحى في اليد، والنظر في شراء الأضحية أوفق من الغذ. قلت صدقت وبالحق نطقت، بارك الله فيك، وشكر جميل تحفيك، ولقد نبهت بعلك لإقامة السنة، ورفعت عنه الغفلة هنه، والآن أسير لأبحث عما ذكرت، وأنظر في إحضار ما إليه أشرت، ويتأتى ذلك إن شاء الله يسعدك، وتنالين فيه من بلوغ الأمل غاية قصدك، والجد ليس في الهزل، والأضحية للمرأة وللرجل الغزل، قالت دعني من الخرافات، وأخبار الزرافات، فإنك حلو اللسان، قليل الإحسان، اتخذت الغربة صحبتك آل ساسان (*) فتهاونت بالنساء، وأساءت فيمن أساء، وعودت أكل

* راجع (ابن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة، نسخة الأسكوريال رقم 1673 ورقة 277/ 230) ولقد سبق لي أن نشرت هذه المقامة في صحيفة المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد (المجلد الثاني، العدد 1/ 2،1954) وقام بترجمتها إلى اللغة الإسبانية صديقي الدكتور قرناند وفي لا جرانخا 1962 بمناسبة ذكرى وفاة المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال.

ولما كان العدد الذي نشرت فيه هذه المقامة قد نفذ طيعه، فقد آثرت إعادت نشرها بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك.

* جماعة من المتسولين وأهل الكدية ويعرفون أيضا بالساسانية نسبة إلى رجل اسمه ساسان كان حاذفا في الاستعطاء دقيق الحيلة في الاستجداء. وقد ورد ذكر بني ساسان مقامات بديع الزمان الهمداني، كما ذكرهم الحريري في مقامته المسماة «بالمقامة الساسانية» التي أوضح فيها كثيرا من البواعث الدامغة على التسول راجع: Eney of Islam art. Bumu Sâsân by Kramers

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٢٧