تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأدبي والعلمي، وقد عاصر يوسف هذا: أديب آخر اسمه يهود ابن سليمان الحريزي، كان يتقن اللغتين العربية والعبرية، واستطاع سنة 602 هـ 1205م أن يترجم مقامات الحريري تحت عنوان «مخبروت اتييل» وقد سافر يهودا الحريزي بعد ذلك إلى المشرق حيث طاف بأرجائه ثم عاد أخيرا إلى إسبانيا ليؤلف كتابه المشهور «تحكموني» أي الشخص العاقل؟ عارض به مقامات الحريري وسار على منهجه فيه مقسما إياه إلى خمسين مقامة أيضا.

وقلد الحريري أيضا سليمان بن صقبيل في قصته الهجائية المعروفة باسم: «آشر بن يهودا «والتي ابتداها ببعض أبيات شعرية تحض على التمسك بأهداب الدين، وهناك أيضا ابراهيم بن صمويل حالبي بن حسداي (ت 638 هـ 1240م من أهالي برشولة، وقد استغل الترجمة العربية للقصة الفلسفية المشهورة: «برلام وبوسافات» أو أسطورة بودا في كتابة قصته العبرية المسماة: «ابن حاملك دوي حانازير» أي ابن الملك والدرويش، كتبها على شكل مقامات تتخللها أشعار وعظات أخلاقية.

وهناك يهود آخرون عديدون كتبوا في هذا اللون من الأدب مثل يعقوب بن العزار (أوائل القرن السابع الهجري) الذي فضلا عن مقاماته العبرية العديدة، ترجم أيضا إلى اللغة العبرية كتاب كليلة ودمنة عن العربية، ومثل الأديب طوب بن يوسف بن فالاقيرا الذي امتاز برقة إحساسه، وقوة ملكته الشعرية ولا سيما في مقامته المسماة «صفرحا مبقيش» أي الكتاب الذي يبحث عن الحقيقة.

وهكذا نجد في كل ما تقدم برهانا صادقا على مدى انتشار فن المقامات في الأدب الإسباني العبري أما من جهة تأثير مقامات الحريري في الأدب الإسباني المسيحي، فهذا أمر لا يزال في حاجة إلى دراسة وبحث، وإن كان بعض العلماء الإسبان أمثال منتدت بلايو (*) Menendez Pelaya وجونثالث بالينئيا (*) Gonznlex Palencia يرجحون وجود هذا التأثير في القصة الإسبانية المعروفة باسم القصة البيكارسكية (*) La novela Piearesea ويسميها البعض بقصيدة الجوع (*) Epopeya del hambre التي انتشرت القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلادي أي في العصر الذهبي الإسبان، ففيها نجد ذلك النوع من القصص الذي تربط جوادثه شخصية رجل ذكي خفيف الظل، من طبقة اجتماعية وضيعة (خادم، شحاذ، لص، متسول ... الخ) وهو المعبر عنه باسم «بيكرو» piearo والذي يجوز أن ينطبق عليه الاصطلاح العربي القائل «من أهل الشطارة والبطالة (*) «فهو بروي مغامراته وتنقلاته التي يشتم منها روح السخرية والتهكم على الناس وعلى فساد المجتمع وعدم الإيمان بصلاح البشر، كل ذلك في أسلوب هزلي لاذع حيث النكتة الطريفة والعظة الأخلاقية، وهذا ما نجده أيضا في المقامات العربية.

وما أظن أنه مجرد توارد خواطر ذلك التشابه العجيب بين أسفار أبي زيد السروجي بطل المقامات الحريرية، وبين مغامرات لاثرليودي تورمس (*) Lazarillo de Tormes وقزمان الفراتشي (*) Guzman Alfarach في هذا النوع من القصص الإسباني (*).

ونستطيع أن نقول على أي حال، أن تأثير فن المقامات في الأدب الإسباني سواء أكان عربيا أم عبريا أم مسيحيا، أمر لا شك فيه، وإن كان لا يزال في حاجة إلى دراسة مقارنة تحليلية مستفيضة، وما قصدت بهذه المقدمة إلا التمهيد من حيث التسلسل التاريخي،

* أنظر Menendez Pelayo : Origrenes de la novela I.P.P. 67.68

* راجع Gonznlez Paleneia Del Lazarillo Quivedo. P. 3 - 9 - Madrid. 1946

* أثرنا كتابة الكلمة كما هي لعدم وجود معنى محدود لأصلها الإسباني، ولهذا نكتفي بالإشارة إلى الوصف الذي ذكرناه في المتن عن نوع تلك القصة، أقرأ على سبيل المثال: Angel Valbuena Prart : La novela Piearesen espanola- Madrid.1946

* أنظر Tarri la ln literatirra espanola

* حول معنى أهل البطالة والشطارة راجع:

Dozn : Supplément aux dictionnaires - Vol. 1.p.46 - 758

* مؤلف حياة تلك الشخصية الوهمية، مجهول، ويقال أن القصة طبعت لأول مرة سنة 1554م

* مؤلف هذه القصة أديب من مدينة إشبيلية في القرن السادس عشر اسمه ماتيو المان Mateo Aleman

* راجع Menendez Pelayo : Origines de la novela, I, p. 162.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٢٦