تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستمر الأندلسيون في مزاولة كتابة هذا الفن من الأدب حتى أواخر عهدهم بالأندلس، أقصد بذلك أيام بني الأحمر أو بني نصر في غرناطة، ومثال ذلك الوزير لسان الدين بن الخطيب (ت 776 هـ 1374م) في مقاماته العديدة: معيار الاختبار في أحوال المعاهد والديار (*)، خطرة الطيف ورحلة الشتاء والصيف (*) ومقامة السياسة (*)، ومن أمثلة ذلك أيضا القاضي أو الحسن النباهي المالقي (ت في أواخر القرن الثامن الهجري أو الرابع عشر، الميلادي) في مقاماته النخلية (*) التي أوردها في كتابه المعروف باسم «نزهة البصائر والأبصار (*)»، ثم هناك الأديب الفقيه عمر الزجال في مقاماته الساسانية: «تسريح النصال إلى مقاتل الفصال» ويقول المقري أنها كانت عند العامة محفوظة، وعند الخاصة مرفوضة (*) وأخيرا نجد الشاعر الأديب الغرناطي، أبا محمد عبد الله بن ابراهيم بن عبد الله الأزدي، المعروف بابن المرابع، وهو من أهالي مدينة بلش Vélez Malaga المجاورة لمدينة مالقة. ولقد كان الأزدي صديقا للوزير ابن الخطيب الذي أفرد له في إحاطته ترجمة طويلة ذكر فيها الرسائل الأدبية والقصائد الشعرية التي تبودلت بينهما (*)، كما أورد له أيضا مقامة ساسانية كتبها إلى حاكم مالقة، الرئيس أبي سعيد فرج بن نصر، يستجديه أضحية بماسبة العيد (*)، وهذه المقامة يجدها القارئ في آخر هذا الكلام، وتوفي الأزدي في الطاعون العام ببلدة بلش أواخر عام 750 هـ 1350م.

على أن موضع الأهمية هنا هو أن فن المقامات لم يؤثر في الأدب الأندلسي العربي فحسب، بل أثر أيضا في الأدب الإسباني العبري وربما المسيحي أيضا.

فمن المعروف أن كتاب اليهود الإسبان في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ترجموا إلى العبرية مقامات الحريري كما عارضوها بمقامات شبيهة بها تماما تتخللها أبيات من الشعر ذات طابع ديني أو أخلاقي أحيانا.

ولقد ازدهر هذا اللون من الأدب العبري في إسبانيا ولا سيما في مقاطعة قطالونيا، ونذكر من كتاب اليهود الإسبان الذين برزوا في هذا المبدأن، يوسف بن مائر بن سابرا، الذي ألف بمدينة برشلونة قبيل سنة 591 هـ 1194م كتابه المشهور باسم: «صفر شا أشوايم» أي كتاب التعاليم المفرحة، وهو عبارة عن مقامات تشف عن مقدرة صاحبها وقوة محصوله

* عبارة عن وصف رحلة تفتيشية قام بها السلطان الغرناطي أبو الحجاج يوسف الأول (1333/ 1354م 733/ 755هـ) في أنحاء مملكة غرناطة مصطحبا معه وزيره ابن الخطيب، وقد نشرت هذه الرحلة في كتاب مشاهدات ابن الخطيب السالف الذكر.

* أوردها المقري في كتابه نفح الطيب ج 9 ص 134/ 149.

* المقامات النخلية عبارة عن مفاخرة بين نخله وكرمه وقد نشرها جوزيف مولر J.Muller في كتابة: Beîtrage zur der Westhohen IP 136 - 160

* مخطوط بمكتبة الأسكوديال تحت رقم 1653 وهو يحتوي فضلا عن المقامة النخلية على تاريخ الملوك بني نصر، نشره جوزيف مولي في كتابه المتقدم (ص 102/ 138).

* أنظر (المقري نفح الطيب ج 6 ص 345 وما بعدها، أزهار الرياض ج 1 ص 116 وما بعدها).

* نذكر من بينها قصيدة الأزدي التي رنا بها والد ابن الخطيب وأخاه اللذين استشهدوا في وقعة طريف سنة 741 هـ 1340م وقد رد عليه ابن الخطيب شاكرا بقصيدة من نفس القافية والوزن (المقري نفح الطيب ج6 ص 315/ 316 وهناك قصيدة أخرى للأزدي يهنئ فيها ابن الخطيب على توليه خطة الإنشاء عام 749 هـ 1348م نفح الطيب ج 8 ص 209/ 210.

* راجع (لسان الدين بن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة نسخة الأشكوريال، من لوحة 227 إلى لوحة 230، ولم ترد هذه المقامة في الترجمة التي أوردها المقري عن الأزدي في نفحة نقلا عن الأحاطة، راجع نفح الطيب ج 8 ص 209/ 213). أمل عن الأمير الرئيس أبي سعيد فرج بن نصر حاكم مالقة الذي وجهت إليه هذه المقامة، فهو والد سلطان غرناطة أبي وليد اسماعيل الأول الذي حكم 713/ 725 = 1314/ 1325م، وذلك بعد أن ثار على ثار على السلطان أبي الجيوش نصر وعزله وولى ابنه أبا الوليد مكانه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٢٥