مذهبنا التعليمي ملائما بين الذاتية وبين التطور، لأن المبدأ الأساسي الحر سيظل مخيما على علاقة الفرد المثقف بالمجتمع الحر الإنساني المتدين، ويرى (كونيي) وهو علم من أعلام التاريخ المعاصر أن الدين هو عماد المجتمعات التي عليها وفيها تقوم الحضارات، بل يسيطر على تفكيره التاريخي ضرورة وجود الروح الدينية مهما كانت مسيحية أو إسلامية بوذية هندوسية لبناء الحضارة، وإذا فالمذهب هو في المحافظة على الأصول الأولى للثقافة المغربية والعمل على تكوين برنامج يطابق المتطلبات الإقليمية والواقع المغربي مع العناية بدراسة اللغات الأجنبية التي تفتح لنا باب التعارف وتبادل الثقافات، وبذلك نسعى إلى إعداد جيل مغربي متحد في عقله مهذبا في روحه، مسلما في إسلامه ودينه عارفا بعصره.
والواقع أن التربية الروحية ضرورة لتكوين الشخصية شأنها شأن التربية الجسدية والعقلية، وتهذيب الروح حسب التجارب التربوية قائم بذاته، فيمكن تطوير الروح وتربيتها على حدة، وتربية الروح إنما تكون عن طريق معرفة الله والإيمان بالشخصية الإنسانية، ولاشك أن كل تعليم يخلو من عنصر التربية الروحية فهو تعليم لا يفيد الإنسانية والفرد أيضا إن لم يكن مؤذيا لهم.
وإن كلمة التربية الروحية مشوشة ماذا يراد بهذه التربية؟ إنها تربية المحبة والخير والجمال والعزم والثقة في الروح الإنسانية تربية مشاعة، وهذا إنما يتأتى بطريقة تلاوة النصوص الدينية وفهمها فهما صحيحا خاليا من الحرفية، مع تدريب على ممارسة الطقوس الدينية التي هي الرياضة الروحية، وكما أن العقل إنما ينمو بالرياضيات بالمفهوم العلمي، والجسد ينمو بالرياضة الجسدية والتمارين العضوية فكذلك التربية الروحية لابد لها من تدريبات وممارسة طقوس، وهذا يتوقف على المعلم الصالح الذي يكون نموذجا صادقا، وصدق المعلم وتغلبه على نفسه وكبحه لشهواته هو التربية السرمدية التي تكون روح التلميذ، ويركز التعلم الديني المغربي في (التعليم الأصلي) على أنه يوجد بصفة عامة في كل أنواع التعليم الأخرى كما سأذكر (وللعناية بالتعليم الأصلي) أو ما كان يسمى بالتعليم التقليدي أو الديني أنشئت له مصلحة خاصة في وزارة التعليم في أول عهد الاستقلال وهذا دليل على مدى احتفاء المغاربة بهذا النوع من التعليم، وسعت هذه المصلحة في تحقيق عدة إصلاحات في هذا القطاع من التعليم كإخراج الأقسام الثانوية والعالية من المساجد، واطراد نمو التلاميذ والطلبة وتحديد السن تحديدا منطقيا بالنسبة لها، وأصبحت لها إدارات كما أصبح لأساتذتها إطار رسمي وأحدثت منح في شكل إعانات لتلاميذ الأطوار الأولى والثانوية ومنح لطلبة العالي، وانتهى نظام الخبزة الذي كان معمولا به في المعاهد الدينية ثم عوض بالمنحة وأصبحت مصاريفه من ميزانية وزارة التربية الوطنية بعد أن كانت بوزارة الأحباس، وإلى جانب هذا أنشئت معاهد أخرى في كل من سوس ووجدة والجديدة زيادة على المعاهد الكبرى في فاس ومراكش ومكناس وتطوان، ومعاهد ثانوية كمعهد الشاون والحسيمة والناضور والقصر وطنجة.
أما البرامج فقد أدخلت عليها تغييرات جعلتها تشتمل على المواد الحديثة بما فيها اللغة الأجنبية إلى جانب المواد الإسلامية، واقتضى ذلك بالطبع إحداث أماكن دراسية أو استغلال معسكرات وثكنات، كما اقتضى الحال أيضا استقدام طائفة من الأساتذة الشرقيين، وأنشئ معهد للفتيات في كلية ابن يوسف بمراكش، ومعهد للفتيات بالقرويين قبل أن تدخل الفتاة إلى التعليم الأزهري في مصر كما أنشئت مدرسة المقرئين بفاس رغبة في تخريج معلمين قادرين على تجويد القرءان.
ثم وثب التعليم التقليدي وثبة أخرى سنة 1959 وحقق إصلاحات جديدة حيث ارتفعت حصص دراسة المادة الحديثة ونظمت داخليته وأصبح يحمل اسم التعليم الأصلي بدلا من التعليم التقليدي، ويشمل الإصلاح الجديد تغييرا جوهريا أدخل على هذا التعليم في مراحله كلها فشمل الاسلاك الثلاثة الابتدائي والثانوي، والغاية الجوهرية التي يهدف إليها الإصلاح هي:
1 ـ الاحتفاظ للثقافة الإسلامية بقوتها ومتانتها وشمولها مع توزيع حصصها توزيعا منطقيا
2 ـ تحقيق فكرة التعريب في هذا النوع من التعليم.