تكوينا عاما تثقيفيا متسعا، وعندما نقول بتوجيه التعليم نعني جعله هادفا إلى تكوين مواطن مؤمن بقوميته وصالحا ونشيطا ومسهما في بناء كيان الوطن ولأجل ذلك لابد أن يكشف عن المعطيات، وألا يكون مستوردا من الخارج، ولن يكون التوجيه إلا على أساس تخطيط (يدرس الحاجات وأجدرها بالسبق) يدرس الإمكانيات الداخلية والخارجية، ومتطلبات البلاد العاجلة والآجلة ومسايرة التطور الثقافي والعلمي العام والعمل على الاضطلاع بمسؤولية الثقافة وبالأخص الثقافة الإسلامية العربية التي ستكون ميدانا خصبا للتعرف على الفكر المغربي وأداء رسالته العلمية والحضارية والإنسانية. وإذا فالضرورة أكيدة لتعلم اللغات الأجنبية بعد تعلم اللغة العربية التي هي اللغة الأصلية المكونة للتفكير المحلي والتي لا تقوم الشخصية بدونها، وكما يقول نيتشة.
اللغة تلازم الفرد في حياته وتمتد إلى أعماق كيانه وتبلغ أخفى رغباته وخطواته وهي الرباط الحقيقي الوحيد بين عالم الأجسام وعالم الأذهان.
ويقول مالينوفكي أيضا: اللغة ليست مجرد وسيلة للتفاهم أو للتوصيل، بل وظيفة اللغة هي أنها حلقة في سلسلة النشاط الإنساني المنظم، إنها جزء من السلوك الإنساني ذاته، إنها ضرب من العمل وليست أداة عاكسة للفكر.
ذلك لأن اللغة ترتبط بالفكر، ومن يفقد لسانه أو يترجم بلغة أجنبية فهو يترجم غير أفكاره الدينية، لأن الثقافة الدينية الإسلامية هي مصدر حرارة وقوة، لتنظيم مجتمعنا وصهر كل الأفكار الصالحة فيه ولأن الثقافة هي التربية الدينية الصالحة الضرورية لتنمية العقل والجسم والذوق في كل مراحل العمر الإنساني، ونحن متفقون على ضرورة التوجيه الديني وإنما نختلف في الأسلوب والمنهاج.
وقد ظل التعليم في المغرب في عهد الاستقلال محتفظا بالتعليم الديني لأن المشرفين عليه متفقون على وجوب احتفاظ التعليم بصبغته الروحية الدينية ولأنهم يتفقون أن مبدأ العلمانية يضر ببناء التعليم وبالمجتمع المغربي لأن علمانية المدرسة الغربية كانت نتيجة حتمية لعدة عوامل أهمها أنها في معظم هذه الدول رد فعل ضد الكنيسة منذ سنة 1882 في عهد بول فري الذي نادى بلالكية التعليم ومجانيته وإجباريته، وقد سبق عمله بباردة سنة 1833 حسب قرار بلدي فرنسي، ومنذ ذلك والتعليم الديني الفرنسي محدود إلى عصر دكول حيث أصبح يتقاضى الإعانات فالحملة على التعليم الديني كانت ضد النظام الكنيسي المتحالف مع البرجوازية ضد حريات الشعوب. فاتخذ التعليم طريقة الحياد المدرسي، أما في المغرب والعالم الإسلامي فإن الدين الإسلامي يعتبر موجها اجتماعيا خطيرا فلذلك يجب أن يدرس ليفهم ويكون عونا على التربية الصحيحة والفاضلة فتعليم الإيديولوجيات أصبح ضروريا في عصر الاشتراكيات لرعاية النموذج النفسي للمواطن، غير أننا نتساءل دائما عما يراد بالتعليم الديني، والذي أعتقده أن التربية الدينية والتعليم الديني يجب أن يخضع لمقتضيات التطور الداخلي للأمة والتطور العصري الحديث، ولذلك يجب تحوير برامج التعليم تحويرا عميقا لتصبح شديدة الفعالية، وليتأتى ذلك يمكن أن نقسم المواد إلى ثانوية وأولية أساسية، ونعتبر كل مادة وأثرها في التكوين العقلي والخلفي، ثم الإكثار من المواد الأساسية والتخفيض في المواد الثانوية ومراجعة المواد الأساسية والتخفيض في المواد الثانوية ومراجعة المواد الملقنة حتى تعرض عرضا جديدا ملائما وهذه العملية ستساعد على إتقان عملية التربية بصفة رياضية معقولة كما تساعد من جهة أخرى على الاقتصاد في مدة التعليم حتى لا يظل البرنامج مرهقا بمواد مكررة ويمكن اختزالها وبذلك يتحقق مبدأ ءاخر من مبادئ التعليم وهو انتشاره وإعطاء الفرص للجميع، ولاشك أن الصفة العلمية، والتربية الصادقة والتوجيه الفني يجب أن تكون في المرتبة الأولى لنساير عصر الآلة والذرة.
وقد أصبح من اللازم التخلص من الأسلوب التعليمي المبني على الآفاق الضيقة، فبهذا يجب الاتصال بمختلف الحضارات والثقافات عن طريقة دراسة اللغات الحية والآداب الأجنبية والتاريخ والجغرافية العامين، سعيا لتحقيق التضامن البشري وفهم الأحداث المعاصرة.
ويجب أن نفهم دائما أن دراستنا يجب ألا تنفصم عن ثقافتنا العربية وحضارتنا الأصلية الإسلامية فإن ثراتنا الحضاري وثقافتنا العربية الإسلامية يجب العمل على إحيائها وإعطائها محتوى جديدا عصريا وهي في أصالتها لا تؤمن إلا بالحرية الإنسانية، وقد استطاعت ثقافتنا الإسلامية أن تخلق وتنمي في الإنسان ضميرا اجتماعيا حرا ألف بين الناس مهما اختلفت ألوانهم وعقائدهم دون أن يفسد إرادتهم الحرة لهذا فسيكون