تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6 ع 6 /مارس 1963 .................... ص14

سلاحنا في المعركة

للأستاذ: عبد السلام الهراس

إننا نعيش معركة خطيرة أحببنا أم كرهنا وأن العصر الذي كان يمكن للأمم أن تنعزل بنفسها وأن تقرر غلق حدودها عليها دون الخارج قد انقضى، فالحضارة الجديدة التي قربت المسافات الشاسعة وجعلت الكرة الأرضية متقاربة الأجزاء متصلة الافكار والعقول والأذواق والعادات والأخلاق قضت على كل محاولة للانفصال عن الجيران والاباعد، ومعنى ذلك أننا نعيش في عالم جديد، ولهذا العالم الجديد اتجاهات متباينة، وقوى متضاربة، كل واحدة تريد السيطرة، وهذه السيطرة لم تعد ممكنة عن طريق السلاح، فلقد أثبتت تجربة السويس وكوبا فشل هذا الطريق وبقي طريق آخر هو الوسيلة الناجعة للسيطرة: الفكرة، لذلك نجد الدول العظمى ترصد ميزانيات ضخمة للتسلل الثقافي وللغزو الفكري، فعندما نسمع بأن روسيا أو أمريكا مثلا قد أقامت مدرسة أو جامعة أو مكتبة في بلد ما، فإننا نفهم من ذلك أنها أقامت قاعدة عدوانية من طراز العصر، ولهذه الدول الكبيرة الوسائل المادية والأدبية للغزو الثقافي وللغارة الفكرية، وبهذه الوسيلة استطاع الاستعمار أن يحقق أهدافا عظيمة في البلاد الإسلامية.

والذي يهمنا أولا وبالذات أن نشعر بأننا نعيش في قلب هذه المعركة، أو بعبارة أصح يجب أن نؤمن بأن هذه المعركة هي ضدنا ومن أجل السيطرة علينا فنحن طرف فيها، وما دمنا كذلك، ينبغي أن ندرك حقيقتها ونحدد طبيعتها، لأن الشعور بذلك يبعث على الاستعداد المناسب للدفاع والهجوم، فالدنيا صراع وإنما توخذ الدنيا غلابا، وسلاح أي أمة في هذه المعركة التي نخوضها هو: الأفكار والرجال.

فما سلاحنا نحن في هذه المعركة وماذا جندنا لها من رجال وأفكار؟

يجب أن نعترف بادئ ذي بدء أننا معتدى علينا، فلسنا في دور الهجوم، بل في دور الدفاع، فهل نقوم نحن بهذا الدور؟ الواقع، إننا دافعنا دفاع الأبطال عن كياننا السياسي، فلما كف الله أيدي الأعداء عنا توهمنا أن المعركة انتهت، وهي في الواقع، لا تزداد إلا حدة واشتدادا ونتيجة لذلك التوهم استسلمنا للدعة والتمتع، وتركنا حصوننا التي كنا نعتمد عليها في المعركة تتساقط في أيدي الأعداء: أي تركنا أجيالا من شبابنا يضيعون في غبار المعركة فيصطادهم العدو واحدا واحدا، ليحولهم فيالق ضد أمتهم، وهكذا، نجد شبابا بل رجالا يجهلون عن دينهم كل شيء ويعرفون عن غير دينهم كثيرا من الأشياء، وان كانوا قد لقنوا نظريات ومطاعن عديدة تقدح في دينهم وتشوه نظرتهم اليه وتمسخ حقائقه في أدمغتهم وتبشع صورته في عيونهم فينشؤون على معاداته، وينمون على التنصل منه وتتركب في أنفسهم عقدة النقص: يخجلون أن يحملوا اسم مسلم حتى إذا وسم أحدهم بهذا العار في بلد أجنبي صب جام حقده على الإسلام مع الحاقدين وفي الحين تراه يعلن استنكاره لتعدد الزوجات في الإسلام واستبشاعه للطلاق واستهزاءه من نظام الزكاة، واستخفافه بالصلاة واستقباحه لقطع اليد في السرقة، وعن همجية رجم الزاني، وحد شارب الخمر، وهكذا، بالنسبة لتعاليم الإسلام الأخرى فإن اتصل به من يفهم الإسلام وشرح له حقائقه واطلعه على حكمة قوانينه وفلسفة تشريعاته وعباداته أذهله الأمر، وظن أنك تخترع له دينا جديدا ما سمعه قط من كهان ثقافته وأساتذته، وقد يرد عليك بعضهم بابتسامة صفراء يختلط فيها الخبث والجهل بالاستهزاء .. والشباب من هذا النوع كثير، تزداد كثرته مع مرور الأيام كما يزداد جهله بالإسلام باطراد نموه، وهكذا تسقط حصون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩١٠