كثيرة في يد أعداء الإسلام لم تجد من يدافع عنها ويذود عن حباضها أو بعبارة صريحة لم يجد هؤلاء الشباب من يعلمهم الإسلام، فتلقفته يد الكفر وشحنت عقولهم بالسموم وبذلك تمكن من قلبهم عداء للإسلام، وأصبح هذا العداء يكون من ثقافتهم وسلوكهم جانبا مهما، ومنذ أيام التقيت بشاب ممن شعر بالخطر يحدق به وبإخوانه في الداخل والخارج، فما أن سألته عن موقف وسطه الذي يعيش فيه من عقيدة الإسلام، حتى انفجر في وجهي قائلا: أؤكد لك، أن جماعات كثيرة اتصلت بها في الداخل والخارج فوجدتها قد قررت مصيرها بالنسبة لعقيدة الإسلام وهذا القرار حاسم، وهو: التحلل من الدين بل أكثرمن ذلك، الهجوم عليه والاستهزاء به، وزاد قائلا في حدة وغضب: إن هؤلاء الشباب سيخاصمون أدعياء الإسلام يوم القيامة لأنهم أهملوهم ولم يكلفوا أنفسهم تربيتهم أو تهييء الأجواء الصالحة لهم، مما جعلهم غرباء عن الإسلام.
وهذا الحصن أو هذا الشاب لم يسقط في أيدي الأعداء بفضل تربية تلقاها عن أبويه البسيطين وهو صغير، وهناك حصون أخرى لم تسقط بعد وإن كانت تكاد تستنفذ مقاومتها، وهي بذلك في طريق الاذعان والاستسلام، أعرف بعض هؤلاء ممن يدرسون في الخارج، أما في الداخل فإن نظرة تلقيها على الجو المحيط بشبابنا المتعلم ترتد إليك مثقلة بالتشاؤم من المستقبل لأن الإسلام كتربية وثقافة وسلوك يكاد يفقد صلته بجيلنا الصاعد مما يجرده من كل حصانة وبتركه نهبا للاحتلال الفكري والثقافي، مع أن كثيرا من شبابنا -ان لم أقل كلهم- فيه استعداد للخير وللفهم ولكن يحتاج لمن يأخذ بيده لأن التربية ونقل التراث عملية سلوكية تحتاج إلى اتصال وقدوة ودرس وتأكيد وتلقين.
وبالصدفة -ان كانت في الحياة صدفة- فمت فالأمس بتجربة بسيطة وارتجالية حيث مكنت أخا ذا ثقافة أجنبية محض ومن أم أجنبية وأب مسلم -مكنته بكتاب الأخلاق في القرآن للمرحوم العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز، والكتاب رسالة نال بها صاحبها درجة الدكتورة من السربون ومكتوبة باللغة الفرنسية طبعا، ولم أدرك أنني قمت بعمل جليل حتى التقيت بهذا الشاب - ذي وظيفة محترمة- بعد أيام حيث أقبل علي بحماس، وألح علي أن أهدي له الكتاب، لأنه أخذ بمجامع قلبه، وعلمه من الإسلام ما لم يعلم كما أنه روج الكتاب بين بعض اخوانه.
عجيب .. كتاب كان عندي في زاوية مهملة أقدمه لشاب تربى تربية غربية يحدث في نفسه هذا الأثر كله، ماذا كان يحدث في أوساط هؤلاء الشباب لو كانت قيادة اسلامية واعية مؤمنة تتصدى للدعوة إلى الله دون وجل ولا نفاق، ودون طمع ولا التواء، مخلصة الدين كله لله، أرأيت لو كان لنا ذلك؟ أي مصير عظيم كان سيكون لهذه الأمة؟ وأي مجد كنا نستطيع بناءه بهم؟
وإذا كان الذين يتربون في أجواء أجنبية في خطر ويعتبرون قلاعا محتلة فماذا بقي لنا من شبابنا فنول اذن وجهنا شطر المعاهد الإسلامية نلتمس عندها أملنا فهل حقا وصراحة يوجد هناك أملنا؟ وهل ستنطلق منها تلك الجموع الحاملة لمشعل الحضارة الإسلامية والداعية لرسالة الإسلام؟
إن الحق يفرض علينا أن نكون أكثر صراحة وجرأة ويجعلنا نصرح بأن أغلب أولئك الشباب بعيدون عن الفكرة الإسلامية السليمة وعن التفكير الإسلامي الحي، وبالتالي عن الرسالة الإسلامية بل إني أزعم أكثر من ذلك -وأنا أتكلم عن خبرة عشتها-
إن الطين ناصبوا الإسلام العداء وجاهروا بالقذف في تعالمه جلهم ممن تربوا في أحضان تلك المعاهد، وخصوصا اولئك المرضى بحب الظهور الذين يتخذون (المخالفة) وسيلة لذلك، فتراهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولون في الدين ليفسدوه، فالذين قالوا إن الإسلام ليس دين حكم وألفوا في ذلك واستدلوا بنصوص حرفوها هم من تلك المعاهد، بل إن مواقف بعض المؤسسات في العالم الإسلامي لم يكن موقفها من الدعوة الإسلامية الحقة مشرقا، فلو أن هذه المعاهد المنبثة في أرجاء العالم الإسلامي كانت سليمة المنهج والعمل لاخرجت قيادات حضارية تمدن العالم بهذا الدين (*)، ولقد ننبه الأزهر الشريف لهذا
(*) لا ننكر أن هذه المؤسسات أخرجت لنا علماء وأفاضل نعتز بهم إلا أن كلامنا ينصب على الأحوال الراهنة ويمس بعض الماضي القريب.