تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسائل القمع، وباتت أهداف الأدب العربي واضحة بأنها الدعوة إلى الوحدة الوطنية، والتحرر من الأفكار الاستعمارية.

وكما شارك الشعر العربي في الجزائر وتونس ومراكش وليبيا في معارك الجزائر، ووقف الأدب العربي كله وراء ثوار الجزائر يؤجج عواطفهم، ورجع إلى الأمة العربية محمد ديب ومولود معمري ومولود فرعون، من كتاب الجزائر الذين تأثروا بفرنسا في أول الأمر، والذين ما زالوا يكتبون بالفرنسية. يقول محمد ديب: «نحن معشر الرجال في جبالنا هذه يجب أن تقف البلاد بأسرها وتبصق احتقارها في وجوه الطغاة»، وقد تأثر المغرب العربي كله بجمال الدين الأفغاني والعروة الوثقى، وكان قباد والزيتونة والصادقية والخلدونية في تونس أدوات القوة الفكرية التي حملت دعوة المقاومة للتغريب والاستعمار كله.

وكان الثعالبي وعلي باش حمية والبشير صفر صحفيين حملوا أقلاما مؤمنة صادقة دافعت عن الأمجاد العربية ودعت إلى المقاومة والتجمع.

وقد تأثر المفكرون في أقطار الشمال الإفريقي بالأدب في مصر وآثار جمال الدين الأفغاني ومصطفى كامل والمويلحي وحافظ وشوقي، وهبت في وقت واحد محاولات لإحياء التاريخ العربي القومي، وتجمعت الأمة بعد أن تفرقت ودعمت كيانها القومي ثم تداخلت عناصرها، فإن ما حدث في الجزائر حدث مثله في تونس.

تجاوب المشرق مع المغرب

ونشر الثعالبي مقالات وطنية نارية هاجم فيها فرنسا -وهو التونسي- في صحف مصر وسوريا والعراق والحجاز والهند، وكانت هذه المقالات تترجم إلى الفرنسية وتنشر في صحف تونس، كما نشرت في صحف مصر مقالات نارية وقصائد من العراق وسوريا في مهاجمة الاستبداد العثماني، وترابطت الأفكار والأقطار فكان للرصافي شاعر العراق في تونس مكان مرموق. وكان لشوقي في الشام ولحافظ في لبنان مكانة بارزة.

وتعد مسألة التجنيس من أبرز القضايا الفكرية في تاريخها الطويل، وكان للصحافة في تونس أكبر أثر في توسيع دائرة الحركة الفكرية، وكان للجمعية الخلدونية آثارها في التجاوب مع الشرق العربي في جميع أحداثه ومواقفه، فقد احتفلت بشوقي وحافظ وعززت مواقف جهاد فلسطين، وضرب دمشق بالقنابل وأحداث مصر والعراق.

وكان قوام الأدب العربي في هذه المرحلة الإيمان بالحياة والأرض والحرية، وأبان الإنتاج الفكري عن عمق الإيمان بالوطن، وبرزت معه صورة التطلع للمستقبل بروح الأمل والتفاؤل، وتأكيد الروابط بين أقطاره مع تأكيد الوحدة العربية الكبرى، وكما ذهب شكيب أرسلان من لبنان فأقام في جنيف، ذهب الثعالبي من تونس إلى مصر، والبشير السعدادي من ليبيا إلى دمشق، وكانت مصر بالنسبة لليبيا مركزا لمقاومة الإيطاليين.

وكانت من قبل بالنسبة لسوريا مقر الجمعيات السرية لمقاومة العثمانيين، وقد تجاوبت مصر وسوريا وتونس وفلسطين، وحملت صحافتها لواء الدفاع عن ليبيا وكشفت جرائم الاستعمار الإيطالي، وفي الوقت الذي أوصد الاستعمار الإيطالي أبواب ليبيا عن الكتب والصحف العربية كان الشباب الليبي نفسه يندفع ليربط نفسه بالفكر العربي مهاجرا، وقد فرضت ليبيا تعلم اللغة الإيطالية وقاومت اللغة العربية حتى أنها أودعت السجن مجموعة من الشباب كانت تقرأ كتاب (العبرات) للمنفلوطي.

كما أن صحف الاستعمار أخذت تذيع الأفكار المدمرة للعقل العربي، فضلا عن أنها أشعلت النيران في المكتبات العربية الضخمة، وساقت الجماهير لتشاهد وأد ثقافتها، ولكن هذا لم يطفئ جذوة النضال ضد المستعمر، بل زادها اشتعالا، ومن وراء صفوف الحرب كانت القصيدة العربية الليبية تهز المجاهدين وتدفعهم إلى الاستشهاد. وساهم الشعر الليبي في بث الوعي العربي، ولم تشغله معركته الوطنية عن الدعوى للوحدة الكبرى.

وأضاف العهد (الجغبوبي) إلى الأزهر والزيتونة والقرويين مزيدا من طلاب الثقافة، وفشلت محاولة ايطاليا في سحق اللغة العربية وإفنائها وإلغاء تراثها في ليبيا، ولم تستطيع ثلاثون عاما من مقام اللغة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٥٦