السياسي للعرب سبيله الأدب كتابة وشعرا وخطابة، فلم يكن العرب بمدافعين عن وجودهم إلا باللغة العربية في مقالات وقصائد ومطبوعات أثارت نوازع الحمية العربية وأطلقت الألسنة والأقلام.
وقد قاوم الشعر العربي مقاومة فعالة ودعا إلى التجمع، واضطر الشعراء إلى أن يكسبوا سخط الحاكمين وعداوتهم، ومن هؤلاء الزهاوي والرصافي في العراق، كما هاجر من أجل ذلك الكاظمي من العراق إلى مصر، وفي الشام فؤاد الخطيب وشفيق جبري، واليازجي من قبل وشكيب أرسلان الذي اضطره الاستعمار إلى الهجرة.
المعركة في المغرب العربي
وقد ارتقت لغة الكتابة بعد التحرر من سلطان الأتراك واستهدف الأدب العرب القومية العربية والوحدة الإسلامية، وأفاد الأدب العربي من الأساليب الحديثة في الأدبين الفرنسي والإنجليزي.
وكان إعلان الدستور العثماني 1908 في العراق والشام والحجاز إعلانا لتطور الأدب العربي من الأسلوب التقليدي إلى دعوة الحرية ومهاجمة الاستبداد مع الحماسة وذكر البطولة والإشادة بالأمجاد والدعوة إلى النضال، وكما أنشأ طاهر الجزائري المدارس العربية في الشام أنشأ عبد الحميد بن باديس المدارس العربية في الجزائر، لمقاومة التيار الفرنسي الذي كان يحمل سموم التغريب.
وقد حمل الاستعمار معه مؤامرة التجنيس والتجزئة، والفصل بين عنصري الأمة، العرب والبربر والإدماج، وحاول في كل واحدة من هذه المؤامرات ما وسعته المحاولة.
فعل ذلك في تونس ومراكش والجزائر والشام، وفعلت ذلك إيطاليا في ليبيا، وانجلترا في مصر والسودان وفلسطين والعراق، وقد رفض البربر الذين كانوا قد امتزجوا مع العرب هذا الاتجاه وتمسكوا بوحدتهم مع العرب، وسقطت سياسة الإدماج، بعد أن عجزت سياسة التجنيس، وكانت سياسة التغريب أكثر فشلا.
وحاولت فرنسا إحلال اللغة الفرنسية محل اللغة العربية، فلما عجزت حاولت إحلال الفكر الغربي المنحرف محل الفكر العربي، ثم دعت إلى بعث أمة مغربية تقوم على فكرة الجنس البربري ثم حاولت تشويه رسالة الإسلام واتهمته بأنه يتنافى مع العلم والترقي.
ثم عمدت إلى القضاء على كل مقومات النهوض بالأمة، ولكن «الأدب العربي» الذي حملته الصحافة كان أداة قوية للقضاء على هذه المؤامرات جميعا، فقد تعالت الصيحات من كل أنحاء الشمال الإفريقي تقول: «نريد إنسانيتنا لا إنسانية الآخرين» وإننا «لا نعتبر أنفسنا أحرارا إلا إذا حررنا فكرنا من اللغة الأجنبية، وحررنا كلماتنا من الدلالات الأجنبية».
وبالرغم من القيود التي فرضها الاستعمار الفرنسي على الثقافة العربية فإن الشمال الإفريقي كله قد سبق إلى توجيه الثقافة العربية عمليا عندما بعث بأبنائه شطر الأزهر، في الوقت الذي قصر فيه المشرق على الالتقاء بالمغرب، وقاومت جمعية العلماء في قسنطينة ووهران الثقافة الفرنسية مقاومة جبارة، وكان ابن باديس والإبراهيمي والعقبى وبيوضي أقوى عقبة وقفت في وجه مؤامرات التغريب.
ودليل ذلك أن فرنسا قاومت تعليم اللغة العربية في الجزائر 126 عاما مقاومة عنيفة، لا يوجد الآن في الجزائر من يتكلم اللغة العربية أكثر من عشرة في المائة من العرب.
وقد اضطر مفكرو الغرب إلى الاعتراف بفشلهم في القضاء على الوحدة بين أجزاء المغرب الثلاثة، ولم تفلح كل الوسائل الفرنسية في تحويل أذواق الجزائريين عن اللون العربي الخالص.
وقامت الزوايا والكتاتيب بأخطر مهمة في تاريخ اللغة العربية وهي حفظها من اللهجات، وحاولت فرنسا أن تجعل من المثقفين الذين تعلموا في فرنسا علماء لها، وأنصارا لثقافتها ولكنها فشلت أيضا، فقد تكشف لهؤلاء انهيار القيم الإنسانية في نظر الاستعمار الفرنسي فاندفعوا إلى صفوف المجاهدين لمقاومة ثقافة فرنسا التي تطمع في (تغريب العرب).
وكانت الصحافة في تونس والجزائر ومراكش (المغرب) وليبيا، والصحف السورية أيضا، عماد هذه المقاومة تحمل المقالة والشعر، وبذلك أفلتت الشخصية العربية من محاولة القضاء عليها بالرغم من جميع