تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك أن هذه الفترة، منذ بدأ الاستعمار يغزو العالم العربي سنة 1830 حتى اليوم، تمثل إحدى الملاحم الضخمة التي خاضتها الأمة العربية في مقاومة مطامع المغيرين الذين كانوا يتطلعون دائما إلى هذه المنطقة ليضعوا أيديهم عليها.

وهي حلقة من حلقات الصراع بين العرب وخصومهم، سبقتها ثلاث ملاحم ضخمة مع التتار والصليبيين والعثمانيين. ومن كل ملحمة من هذه الملاحم، كانت الأمة العربية تقاوم بكل قوتها معتزة بشخصيتها وتاريخها وموقعها وتراثها الثقافي ومكانتها الروحية.

ولقد كانت هذه الملحمة الرابعة (الاستعمار الغربي الحديث) من أضخم هذه الملاحم من غير شك، نظرا لتضخم السلطان العسكري للغرب الذي اكتشف البخار ودخل دور الصناعة الحديثة باختراعه وكشوفه وسلطانه المادي في الوقت الذي غفل فيه العرب عن القوة فاكتسحوا بالغدر والخيانة والمؤامرة.

وقد صور الأدب هذه المؤامرة الضخمة وكشف عن طريق النثر والشعر والمقال والقصيدة والصحيفة والكتابة والخطابة، عن عمليات الإبادة التي قام بها الاستعمار في ليبيا والجزائر وفلسطين، وكان القوة الدافقة التي تجمع الجموع وتدفع المجاهدين إلى الصفوف الأولى.

تستطيع هذه الصورة أن تعطينا عددا من الحقائق التي تكشف عن جوهر الأمة العربية، فقد كان الأدب (شعره ونثره) هو ديوان العرب، وكانت اللغة العربية هي قوام هذه الرابطة الضخمة رابطة القومية العربية على العصور.

وقد حاول الاستعمار في تجربة ضخمة، حشد لها كل قواه، وجند كل إمكانياته وعلمائه، القضاء على هذه اللغة وإبدالها باللهجات المحلية سعيا وراء جعلها لغات إقليمية، ولكن دون جدوى، فقد ذهبت جهوده أدراج الرياح، وبقيت الأمة العربية ملتفة حول سارية عالية لا سبيل إلى تحطيمها، وظلت (اللغة العربية) التي كانت قد ضعفت في أواخر العهد العثماني تنمو من جديد وتنصقل وتتطور على ألسنة الشعراء وأقلام الكتاب ترسل الصيحات المدوية فتعبئ المشاعر وتحفز الهمم، وكانت العربية شرارة الثورات المتوالية التي انفجرت في العالم العربي، وتوالت وتتابعت ولم تتوقف، وكانت زاد الشهداء الذين قدموا أرواحهم فداء للفكرة العربية.

وقد كان أبرز مظاهر الأدب العربي الحديث في هذه الفترة: هذا اللون الوطني_ ولا أقول السياسي_ الذي أطلقنا عليه «المقاومة والتجمع» فقد ساد هذا اللون وطغى، واتسع نطاقه، وكان أبرز الألوان وأقواها وأشدها أصالة، وحملته الصحافة في الأغلب فكانت رسالته وحمله الكتاب، ونقلت هذه الآثار من الأوطان المضيق عليها إلى غيرها ممن كانت أكثر حرية، بل انتقل الأدباء أنفسهم وهاجروا من مناطق الظلم، ولم يقف أمرهم عند هذا بل قدموا الضحايا من أهل العلم وسجناء ومهاجرين ومشردين.

ويمثل هذا الأدب جانبا ضخما من أهم جوانب الأدب العربي في قرن وربع قرن يكشف عن صدق الإحساس وأصالة العاطفة ووضوح روح المحبة والأخوة والتلاقي.

وفي الوقت الذي كان فيه الاستعمار فيه يضغط على الحدود المصطنعة أو يدفع المذاهب التغريبية في محاولة للحياة، ويوجه صنائعه من حكام الأقطار ليضاعف من قسوة التجزئة، ويضع بذور الفتنة والشقاق بين قطر وقطر، كانت قصيدة واحدة تحمل معنى الأخوة العربية والمقاومة والتجمع كافية لأن تجعل هذه السدود كلها تنهار، وهذه الحصون كلها تتحطم، فقد تهتز لها القلوب فتجري على الألسنة وتتناقلها الركبان، فإذا أردنا أن نصور التيارات الفكرية التي كانت تضطرم في المنطقة فلا شك أن الدعوة الوهابية كانت منارا قويا للحركة الفكرية، وكانت مقدمة لرسالة جمال الذين الأفغاني وما تلاها من حركات فكرية حملت رسالة الآداب والثقافة في المهدية السودانية، والسنوسية الليبية، وخير الدين التونسية، والألوسية العراقية، ودعوة الكواكبي في مصر وسوريا، وابن باديس في الجزائر ودعوة محمد عبده في مصر وهي تمثل الدعوة إلى الحرية والمقاومة للاستبداد الهادفة إلى العودة إلى المنابع الأولى للعقيدة.

وكان الشعر بالطبع أبرز من النثر أثرا، فقد هاجم شعراء العراق والشام الاستبداد العثماني، ثم اتجه الشعر إلى مقاومة الاستعمار الفرنسي والبريطاني في مختلف أنحاء الوطن العربي، وقد كان الوجود

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٥٤