تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع5 /فبراير 1963 .................... ص57

أدب المقاومة والتجمع في الأدب العربي الحديث

للأستاذ: أنور الجندي

ليس أدل على أصالة نظرية الوحدة العربية الشاملة من استجابة الأدب العربي المعاصر كله فترة من الزمن لمقاومة النفوذ الأجنبي من البصرة على الخليج العربي إلى الدار البيضاء على المحيط الأطلسي

وقد بدأ ذلك منذ عام 1830 عندما احتلت الجزائر، وكانت قد سبقت ذلك محاولات لاحتلال مصر 1799 بواسطة الحملة الفرنسية (نابليون)، و1807 بواسطة الحملة البريطانية (فريزر)، ولم يمض بعد ذلك أكثر من ربع قرن حتى سقطت الجزائر في قبضة الاستعمار الفرنسي وتوالت البلاد العربية، ولم تلبث أن أسفرت الحرب العالمية الأولى عن خطة شاملة تم بها احتلال أجزاء المنطقة كلها ما عدا الحجاز واليمن، وهنا بدأت مقاومة كان للآداب شعرا ونثرا وقصة وللصحافة وللكتاب أثرهما البعيد في هذه المعركة.

قام الأدب العربي في هذه المرحلة الضخمة بدوره كاملا، فهو فضلا عن أنه استجاب للتطور وتمثل مختلف الألوان التي عاشها الأدب العربي في تاريخه الطويل، قد ابتدع (الأدب الوطني) الذي حمل لواء المقاومة للاستعمار والاستبداد وطغيان الحكام والأمراء، ونادى بالتجمع والوحدة، وكشف عن أصالة الأمة العربية وقدرتها على المقاومة، وكان هذا الأدب نشيد الثورات المتوالية التي لم تتوقف في خلال قرن وربع قرن، وكان الصوت المدوي الذي يهز القلوب ويدفع الجموع إلى الاستشهاد والفداء.

وعندما نستعرض هذه الصورة لقرن وربع قرن من أدب المقاومة والتجمع نجد أن هناك عوامل موحدة تنتظم المنطقة كلها: إيمان بالحق الطبيعي في الحرية، إصرار على المقاومة، صيحات عالية مدوية للتجمع، قلوب تخفق وتتلاقى من أنحاء الوطن العربي تستطيع بإيمانها أن تقاوم كل حلقات الإرهاب التي قام بها الاستعمار، وحركات التغريب وأساليب التمزيق ومؤامرات التضليل، كان الشعر ينفث السحر ويهز القلوب ويدعم الروابط، كانت الأمة العربية تتنادى من المحيط إلى الخليج وتتجاوب.

ولعل الأدب العربي لم يتأثر بحدث كما تأثر بمأساة فلسطين وحرب التحرير الجزائرية، فصور في الأولى حقيقة الغدر الغربي وحمل صورة الحقد والثأر. وعبأ الشعور.

وكان مفتاح اليقظة التي شملت العرب، والينبوع الذي تفجرت منه عواطف الكتاب والأدباء، ووحيا وإلهاما للشعراء، وقد صور هذا الأدب أكثر أثرين خلفتهما النكبة: وهما ضياع فلسطين والنازحين، كما رسم صورة الشوق والحنين بذكر الوطن، وأبرز صورة «العودة» والإيمان بها، والإعداد لها.

وكان أدب معركة التحرير الجزائرية عنوانا على الإيمان بحق الجزائر في الحياة، ودفاعا عن روحها وتصويرا لبطولتها القوية في المقاومة والاستشهاد، وهو أدب اشترك فيه كل قطر عربي وامتزجت فيه صورة فلسطين المضيعة، بالجزائر التي تصمد في المقاومة والحرب وتقدم الشهداء والضحايا.

فإذا تساءلنا ماذا يمكن أن يعطينا هذا الأدب في خلال قرن وربع قرن من الزمان، وجدنا أنه يعطينا صورة عقل «الأمة العربية» وعاطفتها في أدق مرحلة من مراحل كفاحها وصراعها وإثبات شخصيتها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٥٣