وأنا احكي لك حكاية تعتبر بها وتستدل بها على ما ورائها وهي أني ذاكرت ذات يوم رجلا من أهل جيلنا في هذا المعنى فقال لي: أن لي راتبا سلطانيا اقبضه في كل شهر قدره ثلاثون أوقية قال: فكنت في حدود الستين ومائتين وألف اقبض فيه عشر بسائط لان صرف البسيطة يومئذ ثلاث أواق، فلما أخذت السكة في الارتفاع بعد الستين صرت اقبض فيه تسع بسائط وفلوسا. ثم بعد ذلك بسنة أو سنتين صرت اقبض ثماني بسائط وفلوسا، ثم سبع بسائط وفلوسا وهكذا إلى أن صرت اليوم في أعوام التسعين اقبض في الثلاثين أوقية بسيطة واحدة وشيئا من الفلوس. اه. فانظر إلى هذا التفاوت العظيم الذي حصل في الجيل في مدة ثلاثين سنة أو نحوها. فقد زادت السكك والأسعار فيها كما ترى تسعة أعشار. والعلة ما ذكرناه. ويكثر بكثرة الاختلاط والممازجة مع الفرنج ويقل بقلتها. والدليل على ذلك أن أهل المغرب اقل الأمم اختلاطا بهم ارخص الناس أسعار وأرفقهم معاشا وأبعدهم زيا وعادة من هؤلاء الفرنج. وفي ذلك من سلامة دينهم ما لا يخفى. بخلاف مصر والشام وغيرهما من الأمصار هذا الذي ذكرناه وليعرف منه سر الله في خلقه.
((وأعلم أيضا أن أمر هؤلاء الفرنج في هذه السنين قد علا علوا منكرا وظهر ظهورا لا كفاء له وأسرعت أحواله في التقدم والزيادة اسرعا متضاعفا كتضاعف حبات القمح في بيوت الشطرنج حتى كاد يستحيل إلى فساد، وعلم عاقبة ذلك وغايته إلى الله تعالى المنفرد بالغيب)).
فمؤرخنا الكبير لا يرى في مخالطة الفرنج إلا النتائج الأولية وهي غلاء المعيشة. ولكنه ينسى أن المغرب سيجني من وراء تلك المخالطة فوائد حيوية وهي ترويج بضاعته في الخارج ومضاعفة مبادلاته وتنمية رأسماله الوطني. فهو يفضل أن يبقى الاقتصاد في شكله التقليدي العتيق على اغن يتطور ويزاحم الاقتصاد الأجنبي. ثم أنه رغما عن اعترافه بتقدم الدول الأوروبية وتفوقها، فهو يحمد للمغرب بعده في الزي والعادة عن الفرنج وينعي على بلاد الشرق انغمارها في مخالطتهم والإقتداء بهم. ولا يفكر مطلقا أن المغرب سيجني من وراء الاتصال بأوروبا علما بحضارتها وأساليبها في شتى الميادين وأنظمتها وسيأخذ عنها علوما وفنونا ترفع من مستواه الفكري وتضاعف قواته المادية والمعنوية.
ومثل هذا الرأي الذي نجده عند أحد العلماء النابهين في وقته كان هو السائد لدى جمهرة المتعلمين في سائر أنحاء المغرب. والواقع انه يمثل الاتجاه المعتدل بالنسبة لما كان يروج من أفكار غريبة عند أصحاب الطرق في زواياهم ومجامعهم حيث كانوا يرون في كل اقتباس من الأوروبيين بدعة وتشبها بالكفار ويشنعون على أصحابه ويرمونهم بالزندقة والإلحاد.
أما سواد الشعب، فقد كان هو أيضا مؤمنا بهذه الأفكار تابعا لعلمائه ومشايخه، غير متعظ بالأحداث ولا منتبه إلى ما يخبئه المستقبل. وقد أظهرت العامة استياءها من كل اتصال بأوروبا وخاصة لما بدأت أثمان البضائع ترتفع في أواسط القرن الماضي نتيجة لنمو المبادلات التجارية مع أوروبا. وكان هذا الاستياء، كما هو معلوم، من الدوافع للحرب التي قامت بين المغرب واسبانيا ونتج عنها احتلال اسبانيا لتطوان أزيد من سنتين.
وقصارى القول، أن الظروف الثورية التي دخل فيها المغرب منذ أواسط القرن الماضي لم تجد التجاوب الفعال مع الطبقات التي كان يتكون منها المجتمع المغربي، سواء منها طبقة الموظفين أو طبقة المتعلمين أو الطبقات الشعبية على اختلافها.
* * *
بيد أن المد الثوري، بالرغم من المقاومة الجماعية التي صادفها وبالرغم من الكبت الذي استهدف له في سائر الجهات، ظل يعمل عمله في الخفاء وبصورة تلقائية. فقد توالت الأحداث بمفاجئاتها وتكاثرت الدلائل على ضرورة الخروج بالمغرب من جموده الفكري. ولم تزد المدينة الغربية إلا تأثيرا على مجتمعه. وتضاعف تدخل الدول الأوروبية في شؤونه وأصبح نفوذها بارزا في اقتصاده وماله، وانفتحت الأبواب على مصراعيها للوافدين من الأوروبيين عليه. ولم يبق للثورة الفكرية إلا أن تنتظر الجيل الذي يحققها بنية وعزم.
سلا: محمد زنيبر