وفساد أوضاعه، وأدرك ضرورة الإصلاح الشامل العميق والتتلمذ على أوروبا لبلوغ هذا الهدف. ولكنه عند الشروع في العمل كان يقف مكتوف الأيدي مترددا ثم يعود إلى السكون والركود. لقد كان يخاف من هذا التجديد الضروري وما يتولد عنه من مغامرات ومفاجآت فيؤثر أن يبقى في حالته المألوفة وفي سيره المعتاد مهما كانت العواقب.
ومع ذلك، فقد كانت بعض جوانب هذه الثورة تتسرب إلى المغرب وتفرض نفسها عليه فرضا. فقد كان من نتيجة الاتصال العنيف بأوربا أن أصبحت البلاد مضطرة بين عشية وضحاها إلى أن تقتبس بعض أساليب أوربا سواء في تنظيم الإدارة أو المالية أو الجيش. وكانت هذه التغييرات تحدث في ظروف الضرورة القاهرة. ولكن الإصلاحات الثورية، في الحقيقة، هي التي يريدها الشعب، لا التي تنتزعها الأحداث قسرا. فالثورة هي العمل الإصلاحي الشامل الذي تقدم عليه الأمة بعزم وإرادة ورضا منها. فالإرادة الجماعية، كما يبين التاريخ، هي التي تلعب الدور الرئيسي في كل ثورة. ومتى لم تتوفر تلك الإرادة، وتظهر في المجتمع علامات الرغبة الأكيدة في التغيير، فإن الثورة مهما كانت الظروف تدعو إليها تظل مكبوتة متعثرة، وهذا ما حدث بالضبط في المغرب.
ثورة ينقصها الاستعداد الفكري
وسيطول بنا الكلام لو حاولنا أن نشرح أسباب نكوص المغرب عن كل خطوة ثورية في تلك الحقبة. فهنالك، ولا شك، عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، وما دمنا نحصر موضوعنا في الميدان الفكري والثقافي، فلنجتزئ بذكر أهم الأسباب مما ينسجم مع موضوعنا.
أن السير قدما في الخطوات الثورية المنشودة كان يقتضي استعدادا فكريا من الجمهور المغربي بمختلف طبقاته، حاكمة وغير حاكمة، كما كان يتطلب قدرا من التحرير العقلي والإيمان بالمنطق وفهم مقتضيات التطور. فكل ثورة إصلاحية في التاريخ كانت تسبقها حركة فكرية واسعة تنتقد الأفكار السائدة والأوهام المقبولة والمعتقدات الجماعية الباطلة وتصحح نظر الرأي العام إلى الأشياء وتفتح لأمام عقله آفاقا جديدة ورحيبة، كما تقدم أنواع من الحلول للمشاكل الموضوعة وتبين علاج الأدواء التي يشكو منها المجتمع، فهي ذات جانبين، سلبي وايجابي، جانب هدم وجانب بناء. الهدم لبتر الفساد والبناء لتوسيع الإصلاح. وهذه الحركة الفكرية كثيرا ما تحمل في طياتها مكسبين: الأول يتناول الثورة في مجموعها وبسائر مظاهرها التاريخية من سياسية واقتصادية واجتماعية وتشريعية الخ .. والثاني يختص بالجانب العقلي والثقافي حيث يتحول الفكر العام إلى طور جديد وتتغير الأذواق والأحاسيس، مما يظهر أثره العميق في الإنتاج العلمي والفلسفي والأدبي والفني.
هذا الاستعداد الفكري لم يكن موجودا آنذاك في الجمهور المغربي، حيث كانت العامة تنظر بعين الارتياب إلى كما يقتبس عن أوربا، كما أن الطبقة المتعلمة من شباب وشيوخ وطلبة وأساتذة لم يكونوا مستعدين فكريا لفهم الأحداث وإدراك مقتضيات التطور، بل كانوا يخشون كل تجديد وما ينطوي وراء من مجهول ويعتقدون أن مهمتهم هي الدفاع عن عملهم الموروث وصيانته من كل تأثير أجنبي وسد الأبواب أمام العلوم العصرية حتى لا تنافسه في ميدانه. ولا أدل على ذلك من هذه الصفحة التي ننقلها عن أحد العلماء النبهاء في القرن الماضي وهو المؤرخ الشهير أحمد بن خالد الناصري السلاوي. وناهيك به دراية وذكاء واطلاعا، فهو يقول في آخر كتابه الاستقصا في معرض الحديث عن مخالطة الفرنج ما نصه:
واعلم أن أحوال هذا الجيل الذي نحن فيه قد باينت أحوال الجيل الذي قبله غاية التباين وانعكست عوائد الناس فيه غاية الانعكاس، وانقلبت أطوار أهل التجارة وغيرها من الحرف في جميع متصرفاتهم لا في سككهم ولا في أسعارهم ولا في سائر نفقاتهم بحيث ضاقت وجوه الأسباب على الناس، وصعبت عليهم سبل جلب الرزق والمعاش، حتى لو نظرنا في حال الجيل الذي قبلنا وحال الجيل الذي نحن فيه وقايسنا بينهما لوجدناهما كالمتضادين. والسبب الأعظم في ذلك ملابسة الفرنج وغيرهم من أهل أوروبا للناس وكثرة مخالطتهم لهم وانتشارهم في الآفاق الإسلامية. فغلبت أحوالهم وعوائدهم على عوائد الجيل وجذبته إليها جذبة قوية.