تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقظة بعد نوم طويل

ولكن هذا الموقف الذي دام ثلاثة قرون ما كان ليستمر دون نهاية، فقد جاءت أحداث القرن التاسع عشر فبينت الحقائق لكل ذي عينين. فهذه الجزائر المسلمة العربية يحتلها الفرنسيون ويتوغلون في ترابها ويقضون على دولتها ويلحقونها مستعمرة ببلادهم. وهذه موقعة اسلي التي ينهزم فيها الجيش المغربي على الحدود الجزائرية تنذر دولتنا بأنها لم تعد قادرة بوسائلها العتيقة، على منازلة الجيوش العصرية. وهذه اسبانيا تحتل في أواسط القرن الماضي مدينة تطوان وتهدد أقاليم الشمال المغربي بالاحتلال، وهذه أحداث أخرى نشبت هنا وهناك تضر الدولة المغربية أمام صعوبات وأهوال وتعرض استقلال البلاد للخطر وتجعل الرأي العام المغربي في حيرة وذهول وخوف.

كانت هذه الحوادث المفزعة أول منبه للمغرب حيث بدأ ينظر حواليه بشيء من الواقعية فيرى نفسه عاجزا ضعيفا. وحينئذ تحول عنده مركب الاستعلاء إلى مركب نقص وخوف. وغدا المسؤولون على مصير البلاد يشعرون أخيرا بضرورة التعلم على أوروبا والاقتباس منها. والواقع أن كل شيء في البلاد كان متوقفا على الإصلاح من الجيش إلى المالية إلى الإدارة الداخلية إلى التعليم.

ثم إن المغرب الذي ارتبط تاريخه منذ زمن بعيد بالعالم العربي والإسلامي ما كان ليبقى غافلا عما كان يجري آنذاك في بالبلاد الشرق. فلا شك أن الأخبار كانت تتسرب إليه عن طريق بعض الصحف والمطبوعات والمسافرين والحجاج عن بلاد الشرق وخاصة عن مصر التي قامت فيها نهضة واسعة منذ أيام محمد علي، ولسنا ندري مدى الأثر الذي تركته تلك الأخبار في الرأي العام المغربي، فهذا موضوع لم يقبل عليه المؤرخون بعد بالدرس والتحقيق وكل ما نعرفه أن عددا من المغاربة من ذوي العلم والفهم مروا من مصر في تلك العهود. وليس من المستبعد أن تكون المبادرات التي قامت بها مصر في ميدان التجديد والإصلاح من المشجعات التي دفعت بالدولة المغربية في القرن الماضي إلى التفكير في بعض الإصلاحات.

فهذه البعثات من الطلاب التي وجهها السلطان مولاي الحسن إلى عدة أقطار أوروبية قصد تكوين بعض الإطارات لصالح الدولة شبيهة بما فعله قبل ذلك محمد علي باشا في مصر. كما أن المحاولات التي قام بها السلطان في سبيل تنظيم الجيش وتحصين البلاد وإنشاء أسطول بحري وتنظيم المالية تشبه نوعا ما مشاريع القائد المصري في هذا الصدد، وإن كان محمد علي استطاع أن يذهب أشواطا في برنامجه، بينما الإصلاحات المغربية لم تترك أثرا كبيرا بعد وفاة مولاي الحسن.

ومهما يكن، فإن الاحتكاك العنيف الذي وقع للمغرب مع أوروبا أثناء القرن التاسع عشر دفع ببلادنا إلى أن تفكر في النهوض من خمولها والخروج من عزلتها ومحاولة إصلاح أوضاعها وشؤونها. ونظرا لحالة التأخر التي كانت تعيش فيها بلادنا، فإن الوسائل العادية والعلاجات الجزئية لم تعد ذات جدوى لتحقيق النهضة المنشودة، بل كان الأمر يتوقف على ثورة جريئة شاملة.

ثورة تصطدم بحيرة

هذه الثورة كان يفرضها الوضع التاريخي للمغرب والواقع اليومي. كما كان يؤمن بها كل العقلاء من مغاربة وأجانب: فقد أثبتت الأحداث أن الأساليب التي كانت تتمشى بها البلاد في سائر الميادين قد أفلست. ولم تعد حياة أي دولة ممكنة معها في القرن التاسع عشر، بله في القرن العشرين.

ولكن، إذا كانت الظروف التاريخية ثورية من عدة وجوه، فهل معنى هذا أن الثورة الفعلية ستكون وان فكرتها ستتجسم في الواقع؟

لا، فقد تظهر عوامل معاكسة تقاوم التيار الثوري وتحصره في حدود معينة دون أن تتغلب عليه. والثورة أشكال وأنواع، فهناك الثورة العارمة العنيفة التي تقلب الأوضاع رأسا على عقب على نحو ما حدث في فرنسا وروسيا. وهنالك الثورة السلمية المنظمة التي قد يتزعمها الحكام أنفسهم كما وقع في مصر أيام محمد علي وفي اليابان. وهنالك الثورة الجزئية التي تتناول بعض المرافق التي هي في حاجة إلى إصلاح. وهنالك الثورة التدريجية التي تتمشى حسب تصميم مدروس وخطة معينة.

ولكن المغرب وقف حائرا لا يستطيع أن ينهج إحدى هذه السبل، لقد اعترف في قرارة نفسه بعجزه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٥٠