دعوة الحق، س.6، ع5 /فبراير 1963 .................... ص42
بحث في علم الجنس
للدكتور عبد الله كنون
(*) من طرائف اللغة العربية. التي تفردت بها عن غيرها من اللغات هذا النوع من الأسماء الذي يسمى علم (*) الجنس، وهو معرفة لفظا ومعنى لأنه ضرب من العلم لا ريب فيه، واخطأ من عده من قبيل النكرة وجعله كاسم الجنس في المعنى وإن كانت تجري عليه أحكام المعرفة .. وقد استأثر هذا النوع من الأسماء بانتباه النحاة، فتحدث عنه سيبويه في الكتاب بقوله: «هذا باب من المعرفة يكون فيه الاسم الخاص شائعا في الأمة ليس واحد منها أولى به من الآخر، ولا يتوهم به واحد دون آخر له اسم غيره، نحو قولك للأسد أبو الحارث وأسامة وللثعلب ثعالة وأبو الحصين وسمسم إلخ.»
وأشار له أبو القاسم الزجاجي في الجمل بهذه العبارة: «ومن المعرف ما يكون تعريفه بالجنس نحو قولك سام أبرص وأبن فترة لضرب من الحياة وابن آوى وما أشبه ذلك. فأما ابن لبون فنكرة، وإذا أردت تعريفه أدخلت عليه الآلف واللام فقلت ابن اللبون، قال جرير:
وابن اللبون إذا ما لزفى قرن
لم يستطع صولة البزل القناعيس»
وتطرق إليه الزمخشري في المفصل بعد أن تكلم على أسماء الأعلام التي أطلقت على ما يتخذ ويولف من الخيل والإبل والغنم والكلاب وغيرها ذلك فقال: «فصل وما لا يتخذ ولا يولف فيحتاج إلى تمييز بين أفراده كالطير والوحوش وأحناش الأرض وغير ذلك، فإن العلم فيه للجنس بأسره، ليس بعضه أولى به من بعض. فإذا قلت أبو براقش وابن دابة وأسامة ونعالة وابن قترة وبنت طبق، فكأنك قلت الضرب الذي من شأنه كيت وكيت»
أصل الوضع
وهذه التفرقة التي ألمع إليها الزمخشري بين ما يتخذ ويولف من الحيوان فيطلق عليه علم شخصي وما لا يتخذ ولا يولف فيقتصر فيه على علم الجنس هي مما يدخل في تحديد معناه، وكأنها هي أصل وضعه ثم توسع فيه فأطلق حتى على ما يتخذ ويولف من حيوان وغيره. واصلها لسيبويه فإنه قال في الباب المذكور:
«وإنما منع الأسد وما أشبهه أن يكون له اسم معناه معنى زيد، أن الأسد وما أشبهها ليست بأشياء ثابتة مقيمة مع الناس فيحتاجوا إلى أسماء يعرفون بها بعضها من بعض، ولا تحفظ حلاها كحفظ ما يثبت مع الناس ويقتنونه ويتحدونه. ألا تراهم قد اختصوا الخيل والإبل والغنم والكلاب وما تبت معهم واتخذوه بأسماء كزيد وعمرو؟.
عبقرية
وعلى كل حال فهل تكون هذه محاولة من العرب في ماضيهم السحيق للخروج بلغتهم من نطاق اللغة الساذجة التي لا تعبر إلا عن المدلولات الحسية والخارجية إلى مجال اللغة العلمية التي تعني بتحديد المعاني والحقائق الذهنية، إذ كان ذلك هو ملحظهم الأول في وضع علم الجنس؟ إن هذا إذا صح يكون من أعظم الأدلة على عبقرية الفكر العربي حتى في عصر الجاهلية.
(*) القي هذا البحث في المؤتمر التاسع والعشرين لمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
(*) بعين ولام مفتوحين.