تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعريفات وشروح

ومما يلاحظ انه بعد تخطي عتبة القرن السادس بدأ النحاة يتعثرون بالتعريفات المنطقية المعقدة التي يضعونها لعلم الجنس، وانتهى أمر تلك الحدود البسيطة التي تعتمد على الأحكام اللفظية والخواص التقريبية. فابن مالك وأن قال في الألفية:

ووضعوا لبعض الأجناس علم

كعلم الأشخاص لفظا وهو عم

فلم يخرج في الظاهر عما قاله النحاة قبله من أنه علم موضوع للجنس وهو كعلم الشخص في اللفظ، تجري عليه أحكامه وان فارقه معنى، في كون دلالته عامة بموجب وضعه للجنس، إلا انه عاد فوضع مذهبه هذا في شرح التسهيل بقوله: «أن أسامة ونحوه نكرة معنى، ومعرفة لفظا وأنه في الشياع كأسد»، وقد وافقه على ذلك الرضي وغيره. وعليه يكون علم الجنس مرادفا لأسم الجنس النكرة في المعنى، فلا فرق بين أسامة وأسد إلا في الأحكام اللفظية، فإطلاق اسم العلم عليه حينئذ تجوز.

ولكن المرادي رد ذلك بان تفرقة الواضع بين أسامة وأسد في الأحكام اللفظية، تؤذن بفرق من جهة المعنى. ومما قيل في ذلك أن أسدا وضع ليدل على شخص معين، وذلك لا يمتنع أن يوجد منه أشكال، فوضع على الشياع في جملتها. ووضع أسامة لا بالنظر إلى شخص بل إلى معنى الأسدية المعقولة التي لا يمكن أن توجد خارج الذهن ولا يمكن أن يوجد منها اثنان أصلا في الذهن، ثم صار أسامة يقع على الأشخاص لوجود ما هو ذلك المعنى الكلي في الأشخاص»

قال: «والتحقيق في ذلك أن تقول اسم الجنس هو الموضوع للحقيقة الذهنية من حيث هي هي. فأسد موضوع للحقيقة من غير اعتبار قيد معها أصلا، وعلم الجنس كأسامة موضوع للحقيقة باعتبار حضورها الذهني الذي هو نوع تشخص لها مع قطع النظر عن أفرادها. ونظيرها المعرف باللام التي للحقيقة.» ثم قال: «وفي كلام سيبويه إيمان إلى هذا الفرق، فإنه قال في ترجمة هذا: باب من المعرفة يكون الاسم الخاص فيه شائعا في أمته ليس واحدا منها بأولى من الآخر، نصه: وإذا قلت: هذا، أبو الحارث، فأنت تريد هذا الأسد: أي هذا الذي سمعت باسمه، أو هذا الذي عرفت أشباهه، ولا تريد أن تشير إلى شيء قد عرفه بعينه قبل ذلك كمعرفته زيدا، ولكنه أراد هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم) انتهى. فجعله بمنزلة المعرف بالألف واللام التي للحقيقة»

زيادة بيان

وبهذا يعلم أن علم الجنس هو من قبيل اسم الجنس المعرف بلام الحقيقة لا من قبيل اسم الجنس النكرة. فأسد الموضوع لفرد غير معين من أفراد الجنس هو غير الأسد المعرف باللام، أن هذا يشير إلى الحقيقة، أي الأسدية كما يشير إليها أسامة، غاية الأمر أن هذه الحقيقة تستفاد في علم الجنس من جوهره وفي مصحوب أل منها، فإذا قلنا أسامة أجرأ من ثعالة، فكأننا قلنا الأسد أجرأ من الثعلب. فمن أين يتطرق إليه التنكير.

رجوع إلى الأصل

ولا نمعن في هذه الخلافات النظرية، وهي طويلة عريضة. لاسيما وقد أصبحت عناية العرب كلهم موجهة إلى تبسيط قواعد النحو وتجريده من مماحكات العلل وأحكام المنطق. وقد قام باستنكار هذه المباحث نحاة سابقون، كانوا لا يرون فيها إلا خروجا عن السذاجة الأصلية للنحو العربي، وتنادوا بالرجوع به على بساطته الأولى. ومن هؤلاء أبو حيان الذي علق على تحقيق المراد المتقدم بقوله: «أنه رأى بعض من يميل إلى المعقول، ويريد أن يجري القواعد على الأصول. يروم به أن يوجد لأسامة ونحوه وجها يدخل به في المعرف، وهو بعيد عما تقصده العرب».

وسأل الأستاذ عبد المهيمن الحضرمي، وهو من شيوخ ابن خلدون الإمام أبا عبد الله المقري: وهو من تلاميذه أيضا- ما الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس؟ فقال له: زعم الخسر وشاهي أنه ليس في الديار المصرية من يعرفه غيره، وأنا أقول: ليس في الدنيا عالم وهو يعرفه غيره، لأنه حكم لفظي أوجب تقديره المحافظة على ضبط القوانين كعدل عمر عن عامر. فاستحسنه عبد المهيمن.

كتاب في علم الجنس

ونظرا لهذه الأقوال المضطرة في علم الجنس، فقد ألف فيه أبو جعفر بن خاتمة من علماء الأندلس

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٣٩