الخلاصة:
نستنتج، مما سبق، أن تاريخ اللغة، في تقلباتها، ليس إلا انعكاسا لتاريخ الأمة، فلا أمة بدون لغة ولا حياة لأية لغة يحجر على مستهلكيها أن يجتهدوا ليبدعوا فيها، إنه من الجنون ومن العقوق للغتنا العربية أن نؤمر بتقليد تعابير المعلقات. كانت لغة الجاهلية لغة راقية، بالنسبة لعصرها، لكنها أصبحت لغة الجمود بالنسبة لنا، لأن أفقها الحضاري العام ضيق (أطلال بكاء، فخر، رثاء، هجو، إنها لغة فقيرة من المفاهيم المعنوية العليا، فليست كثرة المفردات المادية (حصان، أسد، سيف .. ) إلا دليلا آخر على هذا الجمود وهذا الفقر، أما لغة القرآن، فلغة التقدمية لغة الوثبة إلى الأمام، لما فيها من تراكيب ومفردات جديدة ولكثرة القصص والصور والرموز، لقد هيأت الجو للثقافة الثورية التي عرفها الإسلام على عهد المعتزلة والعباسيين، في عصر المأمون الذهبي، ثم أتت لغة المقامات وشعر المناسبات، فوقفت اللغة العربية عن السير، وضيق عليها الخناق اللغويون والنحويون فأغلقت أمامها الطرق، وأمست لغة الانحطاط، ثم بدأت النهضة الأخيرة بفضل انبثاق الوعي العربي الجديد، والاحتكاك بالمغرب، فأخذنا نعرب ونهدم الأوثان الموروثة، مقتدين بما فعله العباسيون ببغداد، والأمويون بالأندلس، وقد صح منهم العزم على التجديد فوفقوا.
إن النهضة العربية قد دخلت اليوم مرحلة حاسمة من معركتها المباركة، فإرادتنا قوية مثل إرادة الأجداد المجددين، وحبنا للغة والثقافة العربيتين وتعلقنا بهما لا يقلان عن حبهم وتعلقهم.
فلنسر موفقين.
الرباط - محمد عزيز الحبابي
عميد كلية الآداب