تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالبحث في الكلمات، من حيث تركيبها المادي ومدلولاتها المحسوسة وآثارها النفسانية، يلتقي في ميدان واحد مع كل بحث يدور حول الإنسان وحول المعرفة، ومن هنا كان التأمل في اللغة فلسفة وعملا، وبما أن اللغة حركات وعلامات وإشارات ورموز، اتخذتها الفلسفة واتخذها العلم أداة للتعبير.

* * *

هكذا، نرى أن اللغة، في نفس الوقت، مادة للبحث وأداة له، إذ أنها تأمل ينعكس على ذاته، ومن هنا جاءت صعوبة الحديث عن اللغة، وضرورة هذا الحديث جاءت تشغل جوانبه، رغم وحدة مراميه.

اللغة ليست شيئا خاصا بفرد، بل ملكا مشتركا أنه (بين): بين المرء وشعوره، بين الشعور كحالات وإحساسات، وبين أبرازها كأحداث، بين المعنويات والماديات، بين الـ (أنا) والآخرين، بين الإنسان والعالم .. اللغة هي الواسطة العظمى والصغرى، في الغياب وفي الحضور، فيما كان وفيما هو كائن وفيما سيكون. اللغة تعبير الـ (أنا) ونداء للآخرين، أي دعوة ودعاء، فالمرء يعطي (كلمة الشرف) أي أن الكلام يلزمه أمام نفسه وأمام المجتمع، يقيد سلوكه ويفرض عليه مسؤولية، ورجل (لا كلمة له) رجل ينقصه الضمير، نعني أن إنسانيته غير كاملة، فالكلام يرتفع من حركة التعبير إلى مستوى العناصر الأنطولوجية، ربما استطعنا أن نقول: الإنسان جسم، وروح، ولغة.

* * *

نرتفع الآن إلى مستوى آخر، هو مستوى الأخلاق: فالإنسان يتدرج من كائن (متكلم) إلى كائن (له كلمة)، (يفي بالعهد)، و (بالكلمة)، وقولنا (الكلمة دين عليه) معناه أن الطابع الشخصي للسلوك الفردي، من الناحية الأخلاقية، هو المحافظة على (الكلمة) في حين أن الخيانة والغدر في عدم المحافظة على (الكلمة)، و (ذو الكلمة) هو أيضا ذو (السلطة) ما دامت الكلمة قوة تخول صاحبها أن يتصرف في الكائنات: (إن من البيان لسحرا).

يعرف السفسطائي غورغياس أن الكلام قوة بفضلها تقع التحولات: فالذي يستطيع أن يقنع، بكلام مبين، لا محالة واصل إلى رتبة الكمال، والقوة الإقناعية فطرية عند الخطيب الموهوب، بها يستطيع أن يخرج إخراجا قويما ما في الكلمات من سحر. الفيلسوف اليوناني يرى أن الحقيقة مرادفة لقوة التعبير، كما أن الحكمة في البيان، فعلى هذا أن إنسانيتنا تكتمل بفضل قوتنا على التعبير ما دامت قوة الإفصاح، البيان، تكسب المرأ قدرة يتدرج بها نحو الكمال (*).

* * *

المسافة بين المعنى والتعبير:

لنتساءل الآن: هل التعبير اللفظي يعوق التفاهم أم لا؟ فمثلا: إحساسي شيء خاص بي، فإذا عبرت عنه كما يعبر الجميع لن أفي بخاصياته، وإذا اخترت عبارات مختلفة مخالفة للعهود، ضاع ما أتوخاه من إفهام غيري مشاعري.

هنا يتدخل الفن (الصور الشعرية، والاستعارات، والنثر الفني) فتتكون إلى جانب اللغة العامة تعابير خاصة، ويحصل بين المجموع تكتمل يثري اللغة، وطبعا يشعبها، أن الفن نفسه الشعري والنثري لا يكفي للتغلب على ما يبعد الشقة بين المفهوم والتعابير عنها، فالعبارات، دائما، دون المعبر عنه، لان التعبير أداة غير لاصقة بماهية الشيء، فلابد من تكثير الإصلاحات وتحسين الفنون الكلامية، في تعاون مسترسل مباشر مع الفنون الأخرى (الموسيقى، مثلا، في الشعر .. ) ومن هنا تظهر لنا أهمية الشعراء والكتاب في رقي اللغات. نقصد برقي مسايرة اللغة لنضج الوعي الإنساني، فالإنسان كائن حي يمشي دائما إلى الأمام، ومشيه يتكيف في أشغاله اليومية المتعاقبة، لا يعرف الوقوف عن السير: كل يوم هو في مرحلة، ولابد لكل مرحلة من تعابير جديدة وإلا اختلطت المراحل، فتشابهت النتائج، مما يرغم الركب على الوقوف، وأن انقطاع الشعوب عن السير موت لها

(*) غورجياس على صواب فيما أبرزه من سلطان للكلام المبين، لكنه قد اخطأ عند ما حاول أن يستنتج من ذلك إقرار (نسبية الحقيقة) بمعنى أن الحقيقة تتكيف مع الصيغ التعبيرية: فالذي يحسن صياغة الكلام يمكنه أن يغير المعتقدات والمشاعر ...

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٣٦