تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالاتصال الأول بين الصبي وعالم الأحياء هو الثدي، وعند الفطام نلهيه بثدي لا لبن له، أو بأشياء جامدة تشبه الثدي، فاللعب عالم مصطنع بين الواقع واللاواقع، أي حركات رامزة، يتعدى الرمز عند الطفل دور الوساطة ويصبح غاية -في- ذاته، نعني لأن الرمز يتركز في الشعور كأنه هو الواقع، ويصير الواقع شيئا أجنبيا.

وللعب صور أخرى كالميل إلى الهجوم، وتقليد الكبار وكل هذه الأعمال تعابير عن الاندفاع نحو الحياة الجماعية.

الأدوات منبع التفكير والتعبير:

إن أول أداة للتعبير اخترعها الإنسان هي الآلة مثل الحجرة والعصا وهذه الأدوات، إن هي إلا أفعال مجسمة، فالمعول شيء مشترك بين الإنسان والحيوان، يقلع الشامبانزي غصنا من الشجرة ليستعمله كما يستعمل الإنسان العصا، لكن الفرق هنا هو أن القرد يستعمل آلته في الحالة الحاضرة، في حين أن الإنسان يخلق بينه وبين الآلة صلات: يملكها فيقول: هي لي، هي لك، هي لنا، فيذخرها، ثم ينقحها ويطورها، ومن هنا يكسبها معاني جديدة، وكرد فعل لذلك، تكسبه هي بدورها، كلمات جديدة (أفعال وأسماء) فهناك إذن، دياليكتيك للتطور الإنساني في علاقاته بالأدوات: يؤثر بها ثم فيها، وهي بدورها تؤثر فيه، فالإنسان يتطور بقدر ما يطور أدوات العمل، (أدوات الانتقال) غيرت نظريتنا في المسافات، هذه السرعة التي اكتسبتها الآلات قربت منا كل أصناف المعرفة، في أي بقعة من بقاع الدنيا كانت (الصحف والإذاعة والتلفزيون والسينما والطباعة).

نعم، يمتاز الإنسان عن الحيوان في علاقاته بالآلات كونه يستعملها، وقد استعملها أمس ويستعملها الآن، ويحتفظ بها لما بعد.

وبمجرد ما أصبحت الآلة مصاحبة للإنسان، أي متصلة بالتاريخ، تكونت حولها عادات جماعية: نعني أعرافا تقنية تتوارثها الأجيال (صنع الآلة وكيفية استعمالها وإصلاحها) والاستعمال مجموعة عمليات تنشأ عنها نتائج يرجوها العامل لفائدته مباشرة، أو للمبادلة، أي الآلة أول واسطة بين الإنسان والعالم، بين الإنسان والمجتمع. فاللغة لا تنتعش، إذن إلا في البيئات الفنية بالآلات، بالأشياء المصنوعة والمكتشفة، لأن كل لغة، إنما هي أدوات حضرية. إن الجد الأول للإنسان قد استعمل العصا في الصيد وقلد الصوت الحيوان، ثم تلفظ بمسميات للعصا، وللصيد، وللصوت، والطير. فالحياة تدور حول إشباع الحاجات، هذا الإشباع يدفع إلى العمل، والعمل إلى اكتشاف الآلات أو إلى صنعها ثم ترقيتها.

هكذا تكثر الاتصالات المجتمعية حول أعمال مشتركة، فتتجلى مختلف التعابير من علامات، وإشارات، ولغات، ورموز (ويكون ظهور ذلك على الترتيب السابق).

* * *

من هذا التحليل نصل إلى أصل المعرفة، واصل الأحداث التاريخية، واصل المجتمع الإنساني، وبالتالي هنا يبدأ التفكير الفلسفي.

إن الفلسفة، بطبيعة وظيفتها، تشتغل بمعرفة الإنسان والعالم وعلاقاتهما، فهي تبحث فيهما، والبحث حديث، والحديث نقاش كلامي.

* * *

ما هو الكلام؟

الكلام بناء: الإنسان هو الحيوان الذي يتكلم، أي يصنع العالم بالألفاظ، فتصبح كل لفظة أما مفتاحا لفهم أو أداة مواصلة واتجاه، وأما تحديد لسلوك فردي أو جماعي، فالكلمات كالأوراق النقدية والأسلحة أو الخاتم السحري في يد الإنسان: يكفيه أن بنطق ليحدث سيئا في شعوره ورد فعل في شعور الآخرين، ومن هذا التجاوب الشعوري ينتج صدى يحرك الطبيعة الخارجية، فالكلام خلاق: أن الكلمة الواحدة تحدث أحيانا إصلاحا، وإذا لم يتسبب عنها شيء محسوس عند المتكلم، ربما حصل ذلك عند المستمتعين، أو عند متكلم آخر، مرة أخرى، فالكلمة كالدهر الذي يحتفظ بقيمته التداولية، سواء انتقل إلى بائع إلى مشتري أو لم ينتقل: (ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة ... ).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٣٥