تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع5 /فبراير 1963 .................... ص38

أبحاث ومقالات: أفق الكلمة والمفهوم

للدكتور: محمد عزيز الحبابي

- 2 -

أصناف التعابير:

إن بين المعنى والتعبير عن هذا المعنى فروقا: التعبير المادي، والمعنى من طبيعة التصورات الذهنية (العقلية)، التعبير شيء خاص والمعنى عام، أي أنه يرمي دائما إلى الشمول، التعبير حسي، أما المعنى فيرمي إلى التجرد، لأنه مجموعة مفاهيم. فالتعبير، وان اختلفت صورته، يسبح في عالم محدود، أما المعنى فعالم مفتوح، أو قابل للتفتح: ان الإشارة محدودة في حين أن المعنى يرمي إلى ما لا يحصر.

* * *

يظهر مما تقدم أن علاقات العالم الداخلي النفساني والعالم الخارجي تتجسم في التعابير المختلفة، توجد بوجودها وتنعدم بانعدامها، إنها شرط وعلة لها، وبما أن الموضوع والذات، أي المفعول والفاعل، يلتقيان في الشعور الفردي ليتحققا، كان لزاما على الدراسات النفسانية أن تبدأ بالتعرف على حقيقة ((التعبير)) وأصنافه.

فاللغة، مثلا، فن تقني (لأن لها نماذج وقواعد متفق عليها، ولكن حقيقتها تندمج في حقيقة تاريخية: التاريخ الفكري والنفساني والصناعي والجغرافي للأمة، أو للأمم المتكلمة بهذه اللغة، ونقصد هنا بالتاريخ الماضي طبعا، ولكنه ماض يسترسل في الحاضر مع التأكد بأن الحاضر لا ينحصر في الحال، بل هو ما يعبر عنه النحويون ((بالمضارع)) أي الحال والمستقبل، لأن ما يقوم به الإنسان في الحاضر إنما هو انجاز لما يريد أن يكون عليه -ما-بعد- الحاضر، فالمستقبل ليس مرادفا للـ (بعيد) كما أن الـ (حاضر) ليس منحصر في ما قد (حضر) فحاضر ليس وصفا لحالة، بل اسم فاعل، أي أنه الزمن الذي يقع فيه فعل فعليا. فالحاضر يختلف عن الماضي لأن الماضي قد انتهى كحركة مباشرة ولم يبق إلا في إشارة أو في ذاكرة، ويخالف أيضا المستقبل، لان المستقبل يصوب اتجاهه نحو الأمام يتقمص الآمال.

فالمتكلم يغير اللغة، ولكنه يخضع لأسسها ومصطلحاتها كي يفهم، فالكلام أداة للتفاهم، لا غاية في ذاته، إن المتكلم يرمي، من وراء الكلام، أن يفهم المستمع انه يريد تواصلا.

لكن، خلاف لما يمكن أن نظنه أن الإنسان الأول لم يتكلم ليعبر عن مفاهيم وأفكار، ولم يتكلم لأنه كان له شيء يجب أن يقال، بل، على العكس، لقد فهم وفكر وافهم لأنه تحدث، حيث أن ما راج في خاطره قبل أن يتكلم لم يكن مكيفا في شكل أولي يرمي إلى قصد، واتى له أن يقصد الإفهام قبل أن يحصل عنده فهم هو نفسه؟ ان التفكير واللغة وجهان لواقع واحد، أن الجد الأول للإنسانية لم يعبر عما فكر فيه لأنه كان يفكر، بل فكر لأنه تكلم، وهو لم يتحدث إلا بعد أن انتهى من الحركة، فللأفعال (أي ما يقابل الأسماء) الأسبقية، المكان الأول، وحتى في لغة الأطفال، تدل جل الكلمات على معنى الفعل: بابا = أريد الأكل ديدي = أتألم من الوجع، فالأفعال آخر ما يضيع من الذاكرة، أن اللعب، وهو عمل جماعي من أول الحركات التي يقوم بها الطفل، فكل لعب، في الحقيقة، ملاعبة، وأداة اللعب، بالنسبة للصبي، غالبا ما يكون هو من يلعب معه من أقرانه، أو من الكبار (فالطفلة تريد أن ترضع أمها، وتقوم بدور الجدة نحو أبيها).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٣٤