وبعد: فلتكن خاتمة هذا البحث كلمات قيمات، ودرر غاليات، عن فوائد الصيام الروحية والمادية، وقد نشرها ابن القيم في ((زاد المعاد)) في العبارات التالية:
المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، وينكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الاكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه.
فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئا، وإنما يترك شهوته، وطعامه، وشرابه، من اجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذ ذاتها، إيثارا لمحبة الله ومرضاته، وهو سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، واما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من اجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم.
وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنية، وحميتها عن التخطيط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة له من صحتها. فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من اكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)) وقال النبي (ص): ((الصوم جنة)) وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه: بالصيام، وجعله وجاء هذه الشهوة.
والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة، والفطر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمة لهم، وإحسانا إليهم، وحمية وجنة.
الرباط - محمد المنوني