وأقام البرهان بالأرقام، وهكذا حتى ذكر أمراضا كثيرة ثم قال:
إن الصوم يؤثر في شفاء الأمراض على درجات، بعضها أعلى من بعض فجميع أمراض الدم تجيء في الدرجة الأولى، فالصوم يشفيها قطعا.
ثم ذكر بقية أنواع الأمراض ودرجاتها في التأثر بالصوم، واستثنى بعض الأمراض كالسل فقال: لقد عالجت المسلولين- أيضا- بالصوم وأمور الطبيعة كالشمس والهواء، والماء فنجح العلاج في أربعة منهم، ومع ذلك لا انصح المسلولين بالصوم.
وهذا الصوم الذي يعالج به الدكتور ماك فادن ليس هو الصيام المشروع عند المسلمين، بل هو أشد منه، فانه ينبغي للمريض أو المستصح أن يستعمل دواء مسهلا يفرغ به معدته من الفضلات قبل أن يبدأ الصيام، ولا يتناول في صومه شيئا من الطعام كيفما كان نوعه، ولو عصيرا أو أتايا، واقل الصيام عنده يوم وليلة، وأكثره خمسة وعشرون يوما، فمرض الروماتزم مثلا يحتاج إلى خمسة وعشرون يوما، وهو يبيح شرب الماء في صيامه.
وذكر فصلا لما سماه بالصيام الجزئي: وهو أن صوم الإنسان أقل من يوم وليلة، وذكر له فوائد كثيرة في شفاء بعض الأمراض، والتخفيف من شدة وطأة بعضها، وقال:
إن الصيام الكلي يحتاج إليه كل إنسان لتصفية جسمه من سموم الأغذية والعقاقير التي تجتمع فيه، والصوم- وحده- هو الذي يصفي الجسم، ويزيل منه تلك السموم، وليس المريض فقط هو الذي يحتاج إلى الصيام .. ))
هكذا يعمل الدكتور ماك فادن، ومن قبله الدكتور أوتو خنجر لتحليل فوائد الصيام الصحية، ولتوضيح المعنى المادي الذي يراه أطباء الغرب في الصوم.
وأن هذا الموضوع كان -أيضا- موضع اهتمام من أطباء العرب المعاصرين، ونذكر منهم بالخصوص الدكتور المسلم محمد توفيق صدقي الذي قال في كتابه الجليل ((سنن الكائنات)) ما يلي:
((إن الصوم- عن الطعام- نافع في أمراض المعدة، والأمعاء، والكبد، والكلي، وحصواتهما، والنقرس، والروماتزم، والحميات، وأمراض القلب، وغير ذلك.
إلا أن الغلو فيه له ضرره، ولذلك نص الشارع (ص): على وجوب الاعتدال في كل شيء، ونهى عن صوم الدهر، وعن الوصال في الصيام، واستحب السحور وتأخيره، وتعجيل الفطر، قال (ص) لمن نهاه عن كثرة الصيام والقيام: ((إن لبدنك عليك حقا)).
ومما يخفف ضرر الصوم عند المسلمين: أنه يباح لهم ليلا ما يحرم عليهم نهارا، فلذلك كان الضرر الناشئ من الضعف في أثناء النهار قليلا أو معدوما، وبجانبه نفع يفوق هذا الضرر كثيرا، وهو إراحة الجهاز الهضمي، والكبد، والجهاز البولي، وإحراق ما في الجسم من الزيادة الضارة، وغير ذلك مما ذكرناه.
هذا كلام الدكتور محمد توفيق صدقي الذي يتمم ثلاث شهادات صادرة عن كبار الأطباء بعوائد الصيام الصحية.
ونذكر بعد هذا أن هناك حديثا جاء عن الرسول (ص) يشير لفائدة الصيام الصحية، وقد أورده المنذري في الترغيب والترهيب من طريق أبي هريرة هكذا:
اغزوا تغنموا، وصوموا تصحوا، وسافروا تستغنوا. ثم قال عقبة: رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات.
وقد شرح فقرة ((صوموا تصحوا)) من هذا الحديث الحنفي في تعليقه على الجامع الصغير بما يتفق وإرشادات الطب الحديث، وهذه عباراته
((قوله تصحوا)) لما ورد: المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، والصوم أعظم حمية لأنه يخلي الجوف من العفونات، وهذا فيمن يتعاطى عند فطوره وسحوره اللابق، أما من يخلط ويأكل عند ذلك قدر ما يأكله وهو مفطر أو أكثر، فلا تحصل له الصحة، لوجود العفونات في جوفه.