الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).
فهذا الحديث وما تقدمه: كل ذلك يؤكد الحكمة المتوخاة من صيام رمضان، ويعلن أنها لا تعدو تزكية نفس المومن وتطهيرها بالتقوى، وقد بالغ ابن حزم في تقرير هذه الحكمة حتى أفرط -على حد تعبير فتح الباري - فقال: يبطل الصيام كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلا أو قولا، استنادا للحديثين الآنفي الذكر، والجمهور - وان حملوا النهي على التحريم - إلا أنهم خصوا الفطر بالمفطرات المادية.
وهذه حكمة ثانية يهدف إليها الشارع في الصوم: وهي تعويد المؤمن الصبر على المشاق، وتوطيد نفسه على الصمود أمام المكاره، فإن في الصوم الصبر على مضض الجوع والعطش وترك الشهوات والمخالفات، والصائم الذي يعود نفسه الصبر على هذه الأشياء خليق بأن يتدرب على الصبر في رمضان وفي غير رمضان، وجدير بان يعتاد هذا الخلق الذي هو اكبر عدة الإنسان للتغلب على مصاعب دينه ودنياه.
وهناك أكثر من شاهد على اعتبار هذه الحكمة في الصيام، فلقد سمى الرسول (ص) رمضان شهر الصبر، ووصف في حديث أبي هريرة الصيام بأنه نصف الصبر.
كما أن الصابرين في الآية: ((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)) هم الصائمون في أكثر الأقوال
وقال أبو عبيد في نفس حديث ((الصيام لي وأنا اجزي به)) إن الصوم هو الصبر وقد قال تعالى ((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)).
فهذه أربعة شواهد ناطقة باعتبار حكمة الصبر في الصوم، وعلى هذا يكون الصيام هنا وسيلة للتمرن على الصبر، كما كان في الحكمة الأولى طريقا للاستقامة
وسر ثالث يكمن في هذه الشعيرة وهو إذكاء شعور الصائم الموسر بواجبه نحو إخوانه الفقراء الذين يعيشون - دائما - في شبه صيام، فتتعطف نفسه عليهم، وتنطلق يده بالإحسان إليهم، حتى يعتاد العطف على المحتاجين، ويألف الإحسان إليهم، وقد جاء التلميح لهذه الحكمة في الحديث الشريف الذي يسمى رمضان: ((شهر المواساة)).
ومن التطبيقات العملية لهذه الخصلة أن الرسول (ص) كان في رمضان يضرب الرقم القياسي للجود الذي يفوق على جوده في غير رمضان.
كما أن تشريع زكاة الفطر تطبيق مثالي لهذه الحكمة.
يضاف لهذا: التطبيقات الأخرى التي كان الرسول (ص) يدعو لها بواسطة الترغيب في إفطار الصائمين.
الحكمة الرابعة ترويض المؤمن على خصلة الشكر فإن في الصوم شكرا للمنعم الأعظم على نعمة الصحة كما يشير لهذا حديث ((لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم)).
كما أن صيام رمضان شكرا وتذكارا لنعمة نزول القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان
فمن هذه الحكمة الرابعة وما قبلها يتبين أن المسلم يرتاض في صيام رمضان على أربع خصال: استقامة- صبر- إحسان- شكر.
ويضاف إلى هذه الأسرار الروحية سر خامس مادي، وهو ما ينطوي عليه الصيام من فوائد صحية عديدة أصبحت موضوع عناية أطباء الغرب في هذا العصر، وقد بلغت العناية بأفراد منهم إلى أن يخصصوا هذا الموضوع بتأليف على حدة، ونشير هنا إلى كتابين وضعهما دكتوران غربيان:
الأول الدكتور اوتوبو خنجر، وقد وضع كتاب ((التداوي بالصيام وأصول الاستعانة به)) طبع في ألمانيا عام 1935 في صحائف 194، وقد وصف فيه الصيام تاريخيا، ثم تأثيره الصحي على الدم، والغدد، والطحال، والكبد، والكلي، وضغط الدم، والإفرازات الداخلية، والجلد، والشعر .. ثم يداوي بالصيام عشرات من الأمراض الجسمانية، والعصبية والعقلية .. وينتقل إلى تأثيره الروحي وتقويته للإرادة.
الثاني الدكتور ماك فادن الأمريكي، مؤسس المستصحات المعروفة باسمه: ألف ((كتاب الصيام)) وقال فيه: ((انه بعد تجارب عديدة في زمان طويل، تحقق عنده أن أحسن دواء لجميع الأمراض -تقريبا- هو الصيام، مع الهواء النقي، والماء والشمس، قال:
وقد عالجت بالصيام- مع ما ذكر- كثيرا من المرضى فشفوا كلهم، ثم ذكر الأمراض تفصيلا،