ملوك الطاغين والأسر الحاكمة والطبقات المستعلية المتميزة ورجال الدين المستأثرين بالنفوذ، فهي في مقابل ذلك كله إشراك الشعب أو أكبر عدد منه في الحكم، أو على الأصح في تفويض فريق منه بممارسة الحكم، وبعد هذا تختلف الشعوب في أنظمتها وفي طريقة الوصول إلى هذه الغاية وأسلوب تحقيقها. فهل يجوز أن نقول بعد هذا أن الإسلام ينافي الديمقراطية ويعارضها؟ ألا يفهم من هذا أنه يقف حينئذ في الصف المقابل صف الاستبداد الفردي والاستئثار وانه لا يحفل بالشعب ولا يهتم به؟. أليس في ذلك تشويه للإسلام أو إعطاء صورة قبيحة لأناس لم يعرفوا إلا هذين اللونين من أنظمة الحكم: الديمقراطي والاستبدادي؟
ولكننا في مقابل ذلك لا نستطيع أن نقول أن الإسلام ديمقراطي دون تحفظ وعلى الإطلاق، وليس من حقنا ذلك. فإن الديمقراطية باعتبارها نظاما سياسيا في أوروبا اقترنت بأفكار ومفاهيم عن الإنسان والمجتمع وانبثقت عن فلسفة لا يقبلها الإسلام وقد تتعارض مع فلسفته ونظرته في كثير من نقاطها. فالديمقراطية مبنية على فكرة أساسية هي أن الفرد هو الأصل في الدولة وهي إنما خلقت لصلحته وهو حر حرية مطلقة في تصرفاته سواء في فعاليته الاقتصادية أو الخلقية أو الفكرية، والدولة مهمتها مقصورة على تنسيق حريات الأفراد حتى لا تتصادم. إن هذه الفلسفة تختلف عن نظرة الإسلام اختلافا كبيرا فهي تؤدي إلى المساواة بين الإيمان والإلحاد في مجال الفكر، وبين الإباحية والتقيد في مجال السلوك الخلقي، وبين الرأسمالية المترفة الطاغية، والتقييد لمصلحة الجماعة. والإسلام لا يقبل التسوية بين هذه الاتجاهات ولا يمنح الحرية المطلقة التي تؤدي إلى البطل والرذيلة والظلم. ويختلف الإسلام كذلك عن الديمقراطية في نقطة أخرى أساسية: ذلك أن الشعب في الإسلام وإن كانت مصلحته وسعادته هي هدف تشريعه، وكان الناس فيه على اختلافهم متساوين أمام الحق، وكانت الشورى ومسؤولية الحاكم هي الأساس في الحكم، لكن المرجع النهائي هو الله وحده وهو مصدر السلطة، وإرادته المتجلية في القرآن كتابه المنزل هي الحاكمة، وما الديمقراطية فالشعب فيها هو مصدر السلطة وإرادته مطلقة وهي الحكم النهائي. نعم إذا أريد بمصدر السلطة أنه هو المرجع في تفويض السلطة إلى الحاكم وان الحاكم يتسلم السلطة من الشعب لا من نفسه ولا بحكم الوراثة ولا من الله مباشرة فتلك نظرة الإسلام كذلك (*)، ولكن الحكم الفاصل بين أفراد الشعب حكاما ومحكومين حين الاختلاف وميزان الترجيح ومعيار الصحة إنما هو كتاب الله الذي حدد المعالم ورسم الطريق لأن الشعب نفسه يخطئ ويصيب، ويضل ويهتدي، ولكن الناس مع ذلك أي أفراد الشعب عامة هم الرقباء على الحاكم ولكن فرد منهم بالنسبة إلى الحاكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمصارحة بالحق والوقوف أمام الظلم، وليس الحاكم هو المرجع في تفسير مبادئ القرآن وفهم نصوصه بل المرجع في ذلك العلماء المختصون من أفراد الشعب عامة دون تقييد بالموظفين منهم أو الرسميين، وقد رد الإمام علي رضي الله عنه مغالطة الخوارج حين قالوا لا حكم إلا لله، لا حكم إلا للقرآن، مجيبا إياهم انه للقرآن من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال (*)، أي انه لابد من إنسان يمارس الحكم، ولا من حكم البشر ومن مراقبة الناس لهذا الحاكم ومن أناس يفهمون القرآن ومقاصده ويطبقون أحكامه.
وخلاصة القول أننا إذا اعتبرنا الديمقراطية مذهبا اجتماعيا قائما بذاته فليس لنا أن نقول أنها من الإسلام أو أن الإسلام يقبلها ويستسيغها ويتضمنها، إذ هما مذهبان مختلفان في أصولهما وجذورهما أو فلسفتهما ونتائج تطبيقهما. ولكننا إذا نظرنا إليها على أنها اتجاه يحارب الفردية والاستبداد والاستئثار والتمييز ويسعى في سبيل مصلحة جمهرة الشعب ويشركه في الحكم وفي مراقبة الحكام وسؤالهم عن أعمالهم ومحاسبتهم عليه، فالإسلام ذو نزعة ديمقراطية بهذا المعنى بلا جدال أو أن للإسلام ديمقراطية الخاصة، أي نظامه الذي يمنع استبداد الحكام واستئثارهم ويمكن الشعب من مراقبتهم ومحاسبتهم
الإشتراكية:
مثال آخر من هذا الباب هو مثال الاشتراكية فقد راج استعمال هذا التعبير في الرأي العام واستعمله عدد من الباحثين للدلالة على ما في الإسلام من عدالة شاملة لأفراد المجتمع لا تخص فئة من الناس دون
(*) هذا هو رأي أهل السنة انظر بحقنا (الدولة عند ابن تيمية) ص 18.
(*) نهج البلاغة من كلام له في التحكيم.