غيرهم. وكان هذا الاستعمال موضوع خلاف شديد بين المجيزين والمانعين. وما قلناه عن الديمقراطية ينطبق على الاشتراكية، فإذا فهمنا من الاشتراكية مذهب شامل له فلسفته ومفاهيمه ونظامه الاقتصادي كالشيوعية التي هي أحد أشكال الاشتراكية، فإن الإسلام شيء، والاشتراكية شيء آخر، ولا يمكن أن يقال بهذا المعنى أن الاشتراكية من الإسلام، لأنهما في هذه الحال مذهبان مختلفان لكل منهما مبادئه وأسسه. ولكن للاشتراكية معنى آخر وقد أصبح رائجا منتشرا في العالم، وهو إشراك جميع أفراد الشعب في المنافع والمصالح وعدم استئثار فئة من الناس بالمنفعة، وتدخل الدولة في تقييد الفعاليات الاقتصادية كتحديد حقوق الملكية وثمارها تقييدا يؤدي إلى العدالة في توزيع الثروة وإلى تكافؤ الفرص بين الناس بحيث يعيشون على مستوى من الحياة يؤمن لهم الحاجات الإنسانية المادية والمعنوية. هذا هو المعنى الشامل لأنواع الاشتراكيات وإن اختلفت أساليبها في الوصول إلى هذه الأهداف. والاشتراكية بهذه المعنى ليست مذهبا كاملا، وإنما هي اتجاه نشأ في مقابلة طغيان الرأسمالية في أوروبا واستئثار أصحاب رؤوس الأموال نتيجة الأخذ بالمذهب الحر في الاقتصاد الذي يعطي للأفراد الحرية المطلقة في المجال الاقتصادي ولا يسمح للدولة أن تتدخل ولو أدى ذلك إلى طغيان طبقة على طبقة أو إلى نشوء طبقة فقيرة محرومة. والاشتراكية بهذا المعنى لا منافاة بينها وبين الإسلام، بل إن الإسلام على طريقته الخاصة يتجه في هذا الاتجاه المؤدي إلى تعميم النفع، وإقامة العدالة، وإنصاف الناس، بل يجيز تدخل الدولة في فعاليات الأفراد الاقتصادية وغير الاقتصادية إذا اقتضت الضرورة أو المصلحة العامة ذلك (*). نعم أن للإسلام أسلوبه وطريقته الخاصة به في التنظيم الاقتصادي ولكننا إذا صنفنا المذاهب صنفين احدهما مبني على مصلحة الفرد وحريته المطلقة وهو المذهب الفردي، والآخر مبنى على مصلحة الجماعة أو المجتمع كله وهو المذهب الجماعي أو الاجتماعي، فالإسلام يدخل في النصف الثاني وهذا الاتجاه تدل عليه في اللغات الأوربية كلمة Socialiste وترجمتها الدقيقة إلى العربية: الاجتماعية، ولكنها ترجمت فى أوائل هذا العصر بالاشتراكية وهي ترجمة صالحة أيضا بالمنافع والفوائد، وهي المادة التي منها (ش ر ك) وتفيد المعنى المقصود من اشتراك أفراد المجتمع بالمنافع والفوائد، وهي المادة منها الشركة والاشتراك وصيغت بإضافة ياء النسب وتاء الاسمية للدلالة على المذهب كالامامية والمالكية. ان القول بان الإسلام يخالف هذا الاتجاه الذي اصطلح على تسميته بالاتجاه الاشتراكي معناه في عرف الناس العام أن الإسلام يؤيد الظلم الرأسمالي والاستئثار والطغيان. ذلك أن قوام الاشتراكية وجوهرها وعنصرها الأساسي جواز تدخل الدولة في تقييد فعالية الأفراد الاقتصادية وتقييد الملكية وما ينهج عنها من حقوق لمصلحة المجتمع منعا للظلم وإنصافا للناس وإشاعة للرحمة والخير بين الناس، هذا هو الصميم من جوهر الاشتراكية، وما وراء ذلك من التفصيل كالتأميم أو غيره أمور مختلف عليها بين أصحاب هذا الاتجاه. والإسلام كما قلنا يقول بالتدخل، ومن ذلك منع الدولة للاحتكار وإلزامها تجار الأقوات أن يبيعوا بسعر عادل أيام المجاعة، وأخذها من أموال الأغنياء مالا غير الزكاة إذا كانت الدولة في حالة حرب للدفاع عن حوزة المسلمين أو كان في الناس فقراء ولم تكفهم الزكاة أو غير ذلك من الحاجات. وقد أتينا بهذه الأمثلة لأنها كانت معروفة ولها ذكر في كتب الفقهاء والأمر ليس مقصورا عليها ولا محصورا فيها وإنما هي للتمثيل فقط ولبيان أن الإسلام يقول بتدخل أولى الأمر أي الدولة لإحقاق الحق، بل للرحمة بالضعفاء ولو كان ذلك فوق العدل وأكثر من العدل. فالقول بأنه ليس في الإسلام اشتراكية ينطوي على جهل بحقيقة الاشتراكية وعلى قصور في فهم الإسلام وتعاليمه وأهدافه وبعد عن معرفة أحكامه المتعلقة بهذا الموضوع. ولا يتصور بحال من الأحوال أن تؤدي أحكام الإسلام إلى موت فريق من الناس جوعا أو وقوعهم فريسة للبؤس والفقر والمرض، وتنعم فريق آخر من الناس في الوقت نفسه بالملاذ والطيبات والكماليات، لان هذا مخالف لأهداف الإسلام الواضحة في الكتاب والسنة في مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم ((المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))، وقوله ((إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموا فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل موضعه بفأس، فقالوا له: ما تصنع، قال: هو مكاني اصنع فيه ما شئت. فان اخذوا على يده نجا ونجوا، وان تركوه هلك
(*) راجع في رسالتنا الدولة عند ابن تيمية بحث وظيفة الدولة الاقتصادية وفيه تلخيص لآراء المذاهب في الموضوع ص 38.