أيمان جديدة!
ومن هذا الباب أيضا استعمال هذا التعبير الذي تبدأ به بعض الاحتفالات باسم الله والوطن أو باسم الله والشعب أو الله والعروبة أو قول القائل اقسم بالله والوطن أو اقسم بالله وبالشرف أو بالقومية .. أن هذه التعابير منبثقة في الأصل وفي البيئة الأوروبية التي جاءتنا منها عن تأليه هذه القيم (الوطن، الشعب، القومية .. ) أو تعظيمها تعظيما يبلغ حد التقديس ووضعها مع الله في مستوى واحد. في حين أن الإسلام يرى في ذلك كله اتجاها وثنيا فالله هو وحده القيمة العليا المطلقة التي لا تدانيها قيمة وكل ما سواه من القيم المحبوبة أو العزيزة أو المعظمة فرعية وثانوية بالنسبة إليه مهما بلغت منزلتها فلا يجوز أن تقرن معه. ومن أمثلة ذلك أيضا استعمال لفظ الإيمان في غير مجال العقيدة على سبيل التوزيع والتجوز كقول القائل أومن بالوحدة أو القومية أو بالشعب. فإن هذه الكلمة وإن كان معناها اللغوي التصديق بوجه عام قد خصصت للتصديق بالعقائد الدينية الأساسية فتقول أومن بالله واليوم الآخر والنبوات فاستعمالها في هذه المواطن الأخرى منبثق عن تلك النظرة التي شرحناها والتي تنطوي على تأليه تلك القيم وإقامة أصنام جديدة في هذا العصر، والتعبير السليم الذي ينسجم مع النظرة الإسلامية هو أن تقول أومن بالله وأحب وطني وأثق بالشعب وأتمسك بالوحدة أو أتوق إليها وأسعى لتحقيقها.
هاتان حالتان ذكرناهما، الحالة الأولى تكون فيها الألفاظ اصطلاحا جديدا فحسب ولا يتضمن أي فكرة جديدة فيجوز استعمالها، ومثلنا لذلك بالأحوال الشخصية مع ما أوردناه من ملاحظات على ذلك، والحالة الثانية هي أن يكون في استعمال الألفاظ والتعابير الجديدة أو المنقولة إدخالا لمفاهيم جديدة وانطواء على نظرات أجنبية مختلفة تصل أحيانا إلى حد الانحراف الأساسي عن الاتجاه الأصيل.
وهنالك حالة ثالثة هي أدق هذه الأحوال وأخطرها وهي نقل المفاهيم والأفكار من مذهب إلى مذهب ومن نظام إلى نظام، فلكل مذهب ديني أو اجتماعي كالإسلام والمسيحية والشيوعية والديمقراطية تصنيف للمفاهيم والقيم، ويقابل كل واحد منها تعبير يدل عليه ومصطلح لغوي يفيده، ولذلك فأنت مضطر حينما تنقل المفاهيم والأحكام الإسلامية إلى أصحاب المذاهب الأخرى وإلى الذين عاشوا في بيئة تلك الأنظمة والمذاهب ولم يعرفوا إلا مفاهيمها وتصنيفاتها أن تستعمل ألفاظهم ومصطلحاتهم لتنقل إليهم مفاهيم الإسلام ونظمه ولتمكنهم من تصوره.
لاشك أن هذه العملية خطرا إذا قام بها أناس لا يملكون الوعي الكافي والمقدرة على فهم المذهبين وتصور العقليتين والوقوف في الموقفين.
ومثال ذلك لو أردنا في بيئة السوفييت الشيوعية أو البيئة الأمريكية الديمقراطية أن ننقل إليهم مفاهيم الإسلام ونظراته في الحياة بحيث نجعلهم يتصورون نظامه وأحكامه وفلسفته، فلا يمكننا بادئ الأمر أن نستعمل تصنيفنا الفقهي المعروف للأحكام على عبارات ومعاملات، وتقسيمنا المعاملات إلى أبوابها المعروفة وتصنيفات علماء الكلام والعقيدة ونخاطب بها أناسا لهم مصطلحات أخرى وتصنيف آخر للوجود والقيم وللأعمال البشرية وللأنظمة الاجتماعية، فينبغي أن نفهم تصنيفاتهم وتقسيماتهم ومقولاتهم ومفاهيمهم ثم نحاول عن طريق فهمهم هذا وعلى أسلوبهم أن ننقل إليهم مفاهيم النظام الإسلامي وقد يؤدي ذلك إلى تجزئة المفهوم إلى مفهومين أو دمج المفهومين في مفهوم واحد وكأننا نحاول بذلك أن نصب الإسلام في قوالب جديدة دون أن نغير مادته.
الديمقراطية الاشتراكية
ليس الخطأ ولا الخطر الكبير في هذه العملية، وإنما الخطر الكبير أن نأتي إلى مذهب معروف كالاشتراكية سواء قصدنا ما يسميه الماركسيون بالاشتراكية العلمية على حد تعبيرهم أو قصدنا مذهبا بعينه من المذاهب الاشتراكية المحددة أو على الديمقراطية باعتبارها مذهبا شاملا له فلسفته ثم نزعم أن تلك الاشتراكية أو هذه الديمقراطية هي من الإسلام أو أن الإسلام يحتويها ويشتمل عليها. لا جرم أن في هذا القول تشويها للإسلام، وإفسادا لمفاهيمه، وإذابة له في غيره وإهدارا لشخصيته ومخالفة للحقيقة أيضا. ولكن هل معنى هذا أنه ليس هنالك أي نقطة التقاء بين اشتراكية الاشتراكيين وديمقراطية الديمقراطيين والإسلام؟.
الديمقراطية
إن الديمقراطية في روحها وعند أصحابها نزعة تقابل الاستبداد الفردي واحتكار طبقة أو أسرة الحكم والسيادة، وكانت فعلا في تاريخ أوروبا رد فعل لاستبداد