تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سواء أكانت هذه التسمية صحيحة أم خاطئة، فالعبرة بما يدل عليه اللفظ ويحكم الإسلام فيه.

3 - مصطلحات وتصنيفات جديدة:

فإن من الأحوال التي يقع فيها الالتباس والخطأ استعمال ألفاظ إصلاحية جديدة أو تصنيف الأشياء تصنيفا جديدا.

فإن استعمال الألفاظ والمصطلحات الجديدة قد يجر إلى نتائج خطيرة، ويؤدي إلى انحراف وإلى إدخال مفاهيم غريبة قد يكون مجرد اصطلاح في التسمية ولا مانع منه مطلقا في هذه الحالة كما لو جمعنا أحكام الزواج والطلاق والنفقة والوصية والميراث في باب واحد وسميناه الأحوال الشخصية أو أحكام الأسرة، أو جمعنا الأحكام المتعلقة بعلاقات الدولة الإسلامية بغيرها من الدول تحت عنوان العلاقات الخارجية أم القانون الدولي دون أن نغير شيئا من تلك الأحكام، فإننا لا نكون بذلك قد أحدثنا خللا أو تشويها في أحكام الإسلام ومفاهيمه. ومثل هذه المصطلحات استحدثت في العصور الإسلامية السابقة وكثير من مصطلحات الفقهاء قد نشأت في عصر متأخر عن صدر الإسلام. ومع ذلك كله فإن هذه العملية قد لا تكون مبرأة من العيوب والآفاق فإن فصل بعض المسائل عن غيرها ووضعها تحت عنوان خاص قد يؤدي إلى انقطاع صلتها بغيرها أو إلى إخفاء هذه الصلة التي قد تكون مقصودة في ذاتها. ومثال ذلك لفظ (العقيدة)، فإني لم أصادف هذه الكلمة في نصوص و الكتاب والسنة وأرى أنها مستحدثة في العصر العباسي لهذا المعنى الذي استعملت فيه، واللفظ المستعمل في القرآن والحديث هو الإيمان. وقد استعمل لفظ العقيدة أجيال من أئمة المسلمين وعلمائهم بمعنى الأفكار الأساسية التي يجب على المؤمن بالدين أن يصدقها ويقبلها أي يعتقدها، واستعمال السلف من العلماء والأئمة دليل على الجواز، ومع ذلك فإن هذا الاستعمال يتضمن فصل العنصر العقلي الذي هو مضمون العقيدة عن العنصر النفسي مع أن كليهما مجموع في لفظ الإيمان المستعمل في القرآن والحديث. وكذلك جميع أبحاث العقيدة في علم سمي علم الكلام يتضمن تخصيص الأبحاث العقلية من العقيدة وأفرادها دون الجانب القلبي أو النفسي الذي أفرد له علم آخر. أن جمع أصول الإيمان ومسائل الاعتقاد في باب واحد تحت اسم العقيدة عمل صحيح سليم، واستحدث لفظ العقيدة لا يدل على استحداث مضمونها ولا يغير منه شيئا بل أنه يفيد حصر قضايا الاعتقاد بتمييزها من غيرها ويزيدها تنويرا وإيضاحا، ولكنه ينطوي في الوقت نفسه على عملية فصل تلك الوحدة الحيوية الشاملة التي يحيط بها لفظ الإيمان وتشمل على عنصري العقل والعاطفة أو القلب وعلى انفصال الاتجاه العقلي عن الاتجاه النفسي القلبي.

وهنالك حالة ثانية يكون فيها للتعبير أو اللفظ خطورة بالغة وتأثير عميق وتغيير للمفاهيم أو إدخال لمفاهيم جديدة غريبة عن الأصل. ذلك أن نقل الألفاظ من عقيدة إلى عقيدة ومن مذهب أو نظام إلى مذهب أو نظام آخر يجر معه ملابساتها والمفاهيم المتصلة بها في تلك البيئة التي كانت فيها. ان ألفاظ الديمقراطية والاشتراكية والحرية مثلا نشأت وعاشت في أجواء وبيئات معينة واقترنت بمفاهيم ونظريات خاصة فإذا استعملناها حين نعبر عن نظام الإسلام ومفاهيمه نتعرض إذا لم نتصف بالدقة والوعي الإسلامي السليم لخطر إدخال مفاهيم غريبة أو إحداث انحراف في الاتجاه كما سنبين ذلك بوضوح وتفصيل.

ومن أمثلة هذه التعابير التي دخلت في لغتنا ونقلناها من اللغات الأجنبية ونقلنا معها ضمنا النظرة التي تحملها، يكتبها كبارنا ويتعلمها صغارنا في المدرسة منذ السنين، الأولى، قولهم مثلا أن الطبيعة أعطت سورية مناخا صالحا ومنحت سواحلها أمطارا كثيرة، أو قولهم على سبيل المجاز تبعا لذلك غضبت الطبيعة فبخلت بالأمطار وحركت أمواج البحر .. ان هذه التعابير وليدة نظرة القرن الثامن عشر في أوروبا حين أحلوا الطبيعة محل الله فألهوها وأنكروا وجود الله، وهي نظرة الحادية واضحة وترديد هذه التعابير على مسامع المبتدئين هو تلقين ضمني لنظرية الإلحاد وإشاعتها بين لناس إشاعة لا شعورية. ومن هذا القبيل أيضا استعمال أوصاف البطولة والنبوغ العبقرية للأنبياء. وليست أريد من هذا نفي هذه الصفات عن الأنبياء ولكنني أرى أن كثرة ترديدها والاكتفاء بها إحلال لمفهوم البطولة والنبوغ والعبقرية محل مفهوم الوحي والنبوة مع أن النبي أسمى بكثير وأرقى طبيعة ونوعا من النبوغ والبطولة والعبقرية وإن كانت لا تنافيها بل قد تتدرج هذه الصفات فيها فإن هذه الصفات قد يتميز بها أفراد من البشر ممن حولهم من الناس كشدة الذكاء ولكنها على كل حال صفات بشرية عادية أما مفهوم النبوة فمبني على اتصال إنسان اختاره الله من البشر اتصالا لا نعرف كيفيته وكنهه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨١١