وقد ذكر الفقهاء أحوال لولي الأمر فيها أن يأخذ من أموال الأغنياء أو من فضول أموال الناس ما تسد به الحاجة الضرورية.
2 - تطبيق قواعد الشريعة على الأحوال الجديدة
وقد تحدث للناس أحوال وتقع لهم وقائع تقتضي حكما جديدا يبني على مبادئ الشريعة ويستنبط من أهداف نصوصها ومن قواعدها العامة وغايتها. ومثال ذلك في عصرنا نظام العمل، فقد يقول قائل أن العامل بالنسبة إلى رب العمل أجير تنطبق عليه أحكام الإجارة في كتب الفقه، والعقد الذي يكون بينه وبين رب العمل هو الذي ينبغي أن يطبق ما دام مستوفيا لشروطه، وليس لكم أن تفرضوا على رب العمل أو على العمال أي شرط آخر كتجديد الأجر أو ساعات العمل أو غير ذلك.
ولو نظرنا إلى هذه المسألة بروح الشريعة لوجدنا أن هذا الاعتراض سطحي جدا ومردود، وينطوي على جهل بظروف المشكلة وبروح الشريعة في آن واحد. ذلك أن العامل قد يكون مضطرا بسبب حاجته لقبول الأجرة المعروضة عليه، وقد تكون دون ما يستحق من أجر، وتشتد الحال إذا كان رب العمل واحدا أو جماعة متفقين على أن لا يدفعوا للعمال إلا أجرا ضئيلا طمعا في الربح الكثير مستغلين شدة حاجة العمال الطالبين للعمل. وقد يرهق رب العمل عماله بالعمل الطويل الشاق كما كان يحدث في أوروبا في أوائل عهد الصناعة الآلية. وفي مثل هذه الحال يستطيع أن يتحكم قليل من أصحاب المال والنفوذ في آلاف من العمال الفقراء غير أولي النفوذ.
فهل نتركهم في فقرهم وسوء حالهم؟ إن الإسلام يعالج هذه القضية وذلك بأن يعطي الفقراء من العمال من بيت المال إذا كان فقرهم غير ناشئ عن ظلم من استخدمهم في العمل. وإذا لم يكن في بيت المال من أموال الزكاة ما يسد هذه الحاجة، فرض على الأغنياء فريضة من أموالهم ليردها على الفقراء. وأما إذا كان الفقر ناشئا عن ظلم هؤلاء العمال كإعطائهم من الأجر دون ما يستحقون ودون ما تقتضيه العدالة في توزيع الربح وأخذ صاحب العمل الأرباح الفاحشة فأن لولى الأمر أن يتدخل في الأمر ويفرض الأجر العادل. وهذا يدخل في باب التسعير، وهو تسعير للأعمال كتسعير السلع والبضائع وقد نص أكثر الفقهاء على جواز التسعير في أحوال منها احتكار الأقوات وبيعها بسعر جائر. والأعمال كالسلع في هذا الحكم (*) وقد ورد في الحديث (أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)، وفي الحديث الآخر الوارد في صحيح البخاري: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته، من أعطى بي ثم غدر، ومن باع حرا وأكل ثمنه، ومن استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره)) ولا شك أن المقصود من أجره العادل الذي يستحقه، لا الأجر الجائر الذي يأخذه بالرضي الظاهر مع السخط القلبي لشدة الحاجة. وقد ورد في أحاديث أخرى النهي عن تكليف الصبيان الكسب لئلا يلجؤوا إلى السرقة وعن تكليف الإماء كذلك (*) كما ورد النهي عن تكليف الخدم من العمل ما يغلبهم (*).
ومن المعلوم أن لولي الأمر أن يقيد المباح أو أن يأمر به إذا كان في ذلك مصلحة عامة، وفي هذا كله ما يصلح أن يكون أساسا وقاعدة لنظام العمل تصان به حقوق الناس سواء أكانوا عمالا أو أصحاب أموال لأنه كما يمكن أن يظلم أصحاب الأموالالعمال يمكن أن يقع العكس كذلك بأن يطغى العمال بسبب كثرتهم وشدة ضغطهم وتسلطهم في بعض الأحيان على الحكام فيطالبوا بما ليس من حقهم وإن كانت الحالة الأولى هي الأكثر شيوعا ووقوعا. فوظيفة ولي الأمر في الشريعة الإسلامية إقامة العدل، وإلزام كل إنسان حده، وإعطاء كل ما يستحق وفقا لقواعد الشريعة التي روعيت فيها في الأصل مصالح الناس وحقوقهم وإنصاف بعضهم من بعض. ولا يقال أن هذا من باب التشريع ولا يجوز لولي الأمر أن يسرع لأن الله وحده هو المشرع، فإن هذا كلام مبني على المغالطة لأن لفظ التشريع أصبح له معنى اصطلاحي جديد، وليس هو في الحقيقة في الأحوال التي ذكرناها من تحديد الأجور أو ساعات العمل أو ما يشبه ذلك من التقييدات إلا تطبيقا لقواعد الشريعة وتنفيذا لأحكامها من باب السياسة الشرعية، ومما أجازه الشارع لولي الأمر تحقيقا لإقامة العدل بين الناس. وتسمية الناس له تشريعا ا تجعله ممنوعا
(*) راجع بحثا مفصلا في التسعير وأقوال المذهب فيه في كتاب الحسبة لابن تيمية أو في كتاب الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية.
(*) تسير لابن قيم الجوزية.
(*) تيسير الوصول ج 3 ص 84