تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع5 /فبراير 1963 .................... ص13

دراسات إسلامية: ذاتية الإسلام أمام المذاهب والعقائد

للأستاذ: محمد مبارك

- 2 -

الإسلام في مواجهة المشكلات الجديدة

1 - التعسف في فهم النصوص

إن المسلمين حين واجهوا الحضارة الغربية في هذا العصر وقفوا مواقف مختلفة وصادفوا أحوالا متنوعة. ففي حين أن بعضهم قاس الإسلام بمقاييس غيره وقومه بقيم استعارها من أنظمة أخرى وهي غير مسلم بها نرى فريقا آخر يتعسف في فهم النصوص، ويتعثر في فهم مدلولات الألفاظ، ومثال ذلك من ينكر مبدأ الضرائب المالية بحجة أنه ليس في الإسلام ضرائب وإنما فيه الزكاة، ولو كان هذا المنكر دقيقا خبيرا لقال: أن الضريبة مال تستوفيه الدولة من الناس وتجبيه منهم بطريقة معينة أو نسبة محدودة. ولو نظرنا إلى موقف الإسلام حينئذ من الضريبة لوجدنا أنه يقر أنواعا منها وينكر أنواعا، فالزكاة نفسها ضريبة مالية وكذلك الخراج والجزية مثلا. ولو طرحنا هذا السؤال، هل يجوز لولي الأمر أن يفرض على الناس ضرائب لم يرد عليها نص شرعي؟ لكان الجواب أن في الإسلام قاعدة قررها الحديث الوارد في صحيح الترمذي وهو قوله عليه السلام ((في المال حق سوى الزكاة))، ولم يحدد الحديث هذا الحق فإذا اقتضت مصلحة المجتمع إنفاق المال ولم يكن في بيت المال ما يكفي، وكانت هذه المصلحة ضرورية كالدفاع عن أرض المسلمين، أو كفاية الفقراء الذين لم تكفهم أموال الزكاة، فلولى الأمر أن يفرض في أموال القادرين ما يسد تلك الحاجة الضرورية تطبيقا لهذا المبدأ. وعلى هذا فليس مبدأ فرض الضريبة في ذاته منكرا، ولكن لو فرض الحاكم ضريبة مالية لا مسوغ لها أو تتضمن ظلما لفئة من الناس لكان بذلك مرتكبا ظلما لا يقبله الإسلام. ولا عبرة لكون لفظ الضريبة حديثا غير قديم، ولا يستدل من حداثتها على أن مدلولها لم يكن معروفا، بل الأمر على عكس ذلك إذ أن مدلولها وهو (فرض ولي الأمر فريضة في مال الرعية) كان معروفا وتدخل الزكاة تحت هذا المعنى الواسع، ولكن الزكاة هي الحد الأدنى الذي لابد منه، وإذا تأملنا الحديث القائل (في المال حق سوى الزكاة)، والحديث الآخر الذي رواه مسلم في صححيه: عن أبي سعد الخدري، قال: بينما نحن في سفر مع النبي (ص)، إذ جاء رجل على راحلة له، فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله (ص) من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا انه لا حق لأحد منا في فضل)). أقول إذا تأملنا في هذين الحديثين عرفنا أن لولى الأمر كما بين الفقهاء أن يأخذ حين اقتضاء الضرورة وتحقيق المصلحة العامة من أموال الناس الزائدة عن حاجاتهم الأصلية ما تقتضيه تلك الضرورة وتحقق به المصلحة. ويفهم من هذا الحديث أن تملك ما يزيد عن الحاجة إنما هو في المفهوم الإسلامي نوع من التملك يمكن أن يحدده ولي الأمر بحدود الضرورة والمصلحة العامة. وأما تقدير الضرورة والمصلحة فليس كيفيا ولا خاضعا لأهواء، وإنما يجب أن يستأنس فيه بأهداف الشرع المستنبطة من نصوصه ويقتصر فيه على حد الضرورة ولا يتعداها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٠٩