تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في قواميس اللغة كسافنات بدلا من سوافن، وعزمات بدلا من عزائم اضطرارا لوزن أو قافية أبيات هي نفسها، بمدلولها وشكلها مما شوه القصيدة: ولما أتى بمثل هذه العبارة العامية: «ومضت ساعة وأخرى تلتها»، ولعله لو عاد إلى تجربته، متأنيا كإصغاء بحره، ومتخليا ـ ولو مؤقتا ـ عن «نرجسيته» ومتهيئا نفسانيا، لهذه العودة، كما يتهيأ المرء لقراءة غيره، أقول لو عاد إليها وحاول جادا أن يشذ بها مما اكتنفها من أعلاق، لجعلها أسلم مما هي عليه .. لأن شاعريته لو أراد تسمح له بذلك.

* * *

ونكتفي بهذا القدر من الحديث عن قصيدة الشاعر التواتي، وننتقل إلى الحديث عن الشاعر الحلوي.

والشاعر الحلوي لا يحتاج إلى تقديم، ومكانته في الأدب المغربي المعاصر تعلن عن نفسها، فقد عاش فترات قاسية، وظروفا أخرى متناقضا بعد الاستقلال وعبر عنها، وهو في شعره الحماسي يصول ويجول .. وقصيدته «عذراء» التي نشرها في العدد الثاني، رغم أنها ابتعدت عن الميدان الذي يملك فيه الناصية، إلا أنها اتسمت بنفس القيم التي تتوفر في شعره، من قوة في التعبير، ووضوح في المدلول، مع تخير لللفظة المناسبة، ومحافظة على مستوى الأثر من الناحية الشكلية على الأقل ..

أما من حيث المضمون فأفضل أن نناقش مع الأستاذ الحلوي بقدر الإمكان ..

* * *

منذ قراءتي الأولى لقصيدة الشاعر الحلوي «طالعتني» ثغرة فادحة في مطلعها، لدرجة أنني تمنيت لو استغنى الشاعر عن هذا المطلع، سيما وأننا لن نخسر شيئا، فالعنوان ينوب عنه بما فيه الكفاية.

يقول الشاعر:

تلفتت ظبية (كدت أكتب مطلع شوقي):

تلفتت لفتة الظبي الذي ذعرا

عذراء تنفر ممن مس ..

إلى حد هنا لا زالت الأمة بخير، فالثغرة المشار إليها تكمن في قفل البيت: .. أو نظرا.

إذ أن العذراء، والأنثى عموما، لا تنفر أبدا ممن ينظر إليها، بل هي تقضي الساعات الطوال في التزين والتحلي قبل أن تخرج .. وهي تعلم أنها لا تفعل ذلك إلا لتجلب الأنظار إليها ..

ولعل الأستاذ الحلوي أعلم منا بامرأة جميلة، عاشت في صدر الإسلام، حفظ التاريخ أنها كانت «تتبرج» عمدا، ليراها الناس، وتعتذر لمن يلومها بأنها حباها الله مسحة من جمال ومن الكفر بنعمته أن تخفيها عن الناس.

فكيف بالعذراء في عصر السفور والتبرج، أضف إلى ذلك أن النظر إليها يفرض غاية نفعية، لأنها عذراء، وكل عذراء تنتظر خطيبا، وخطاب اليوم لم يعودوا عميانا.

فحبدا لو حذف هذا البيت، لأنه، حتى لو لم تخترمه هذه الثغرة، لا يليق أن يجاور ما بعدها:

تلفتت فرات صبا يلاحقها

بطرفه وجرت مرتاعة فجرى

إن التصوير الشعري الجميل، الذي يشيع في هذا البيت، يكاد يجسم المنظر أمام القارئ كأنه يراه ... ثم انظر معي إلى البيت الذي بعده، وما فيه من خطابية وتقرير، فضلا عن انتقال الشاعر من التحدث عن العذراء بضمير الغائبة إلى مخاطبة ملاحقتها ثم انظر إليه كيف انتقل، مباشرة، إلى إتمام أوصاف العذراء. ثم أمعن معي النظر في هذين البيتين:

مرت أمامك في تيه وفي خفر

وأطعمتك فلم تلحق لها أثرا

وطفاء وارفة الأهداب ترمق كالـ

ـوسني لتحجب عن عشاقها الحوار

فبعد أن وصف الشاعر العذراء بأنها تنفر ممن ينظر إليها، عاد فاتهمها، وبكل وضوح، بأنها أطمعت صاحبها، وبأنها تعرف أن لها عشاقا كثيرين تتصنع وضعا معينا لعينيها لكي تخفي عنهم حورها .. أتكون الفتاة لا ترتاح إلى من ينظر إليها، وتنفر منه، ثم في نفس الوقت، تغرر بفتى، وتطمعه، ثم تهرب وتعرف أن لها عشاقا يرموقونها وتمر بينهم كأنها نائمة.

إن هذا التناقض ليس بينه، عند الأستاذ الحلوي إلا ثلاثة أبيات من الشعر .. ثم هذا البيت:

حوراء ضاقت برضوان وجنته

والحور والحسن منظوما ومنتثرا

لعل الشاعر يريد برضوان وجنته، أبا الفتاة وبيتها، ولكن كيف نحلل اللغز الذي يكمن وراء عجز هذا البيت هل اضطره إتمام البيت إلى حشد شطر كامل، ليس له مدلول.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٨٢