سطر الشاعر بضعة أبيات يمكن اعتبارها، على نحو ما، منسجمة مع أجواء التجربة كما انطلق بها:
ونحيل الحياة غراء تسبي بسناها ضمائر الكائنات؟ والبرايا لولا حمانا هباء والوجود الجميل لحن شكاة؟
ربما أغرانا بالوثوق من أن الشاعر لا زال ينشد التكامل لرمزية أغرانا بالوثوق من أن الشاعر لا زال ينشد التكامل لرمزية قصيدته، ما في «نحيل الحياة غراء» من إشارة إلى تضافر، المجال، والشاعر، في خلق الفن الجميل، الذي يسبي ويسحر ضمائر الكائنات .. وما في «البرايا، لولا حمانا هباء» فالإنسان الذي لا يتوفر على العاطفة الاستاطيقية، إنسان غير متكامل، والشاعر، ومحيطه، أو بالتعميم الفنان ومحيطه، هما اللذان ينميان هذه العاطفة ويرعيانها ..
ولكنه لا يمضي إلا قليلا حتى يتنكر إلى تجربته، وإلى نفسه، كما سبق، فيضطر إلى تسجيل أبيات في القصيدة لا مبرر لها.
ثم لننظر إلى البيتين التاليين، إنهما معنى واحد في قالبين، مع استعمال اسم الفاعل من ضاع يضوع وهو غير مستعمل .. ثم أنظر إلى هذا البيت:
أترى الأرض يا أبي والبرايا عرفوا سرنا وسر الحياة؟ إنني أكاد أجزم أنني لم أكن موفقا في تأويل مطلع القصيدة، لأن في البيت تنكرا بينا .. لأن الشاعر لو رمى ولو نصف واع، إلى الرمز بالبحر والنهر إلى ما أشرنا إليه، لكان يدرك في قرارة نفسه، تلقائيا، أن البرايا هي أهم عناصر «المجال» وهي التي تلهمه، ثم تستهلكه، ولما تساءل هل هي تعرف سر الحياة، لأنها هي نفسها وهو ضمنها، سر الحياة.
إن هذا البيت قطع صلة ما بعده بما قبله، بل وخلق موضوعا جديدا، يصلح لقصيدة أخرى .. وليست هذه هي المرة الوحيدة التي يتملص فيها الشاعر من موضوعه، وينخرط في موضوع آخر، بل إن ذلك يتكرر بكيفية توحي بأن الشاعر يعمد إلى ذلك بإصرار، كأني به يريد أن تكون قصيدته طويلة، حتى ولو على حساب أعصابنا.
أيريد الشاعر أن يثبت لنا أنه متوفر على ما كان يسمى في النقد الكلاسكي بطول النفس .. إذا كان الشاعر يريد أن يثبت لنا ذلك فليتأكد من أن طول النفس لم يعد يفيده إلا إذا كان من هواة صيد الأسماك بالحربة، أما في الشعر، فلم تعد الأثار الشعرية تقيم بالكم، بل بالكيف، لأن الزمن الذي كان فيه الشاعر يرتجل قصيدته على أناس بسطاء، ساذجي الثقافة الفنية، قد مضى، مضى الزمن الذي لم يكن يتاح للمستمع فرصة إمعان الفكر في بيت، حتى يفاجأ بآخر .. فلا يكاد يفطن إلى أن الشاعر انتقل من موضوعه، أو ناقض نفسه .. مضى الزمن الذي كان الناقد يجعل رجلا أشعر الناس من أجل بيت .. وأتى زمن انتشرت فيه الطباعة وعمت فيه الثقافة، وتمت العاطفة الجمالية بين كافة الطبقات، وارتبط العلم والفن والثقافة بالخبز .... فما معنى انتقال الشاعر بقرائه في قصيدة واحدة من موضوع إلى آخر، في هذا العصر، إلا إحدى حالتين: إما أن يكون الشاعر يحتقر مستهلكيه، أو أنه ليس عنده ما يقول: وإلا فما معنى أن يأتي الشاعر التواتي بعدة موضوعات في أثر واحد، هل نحن لازلنا في عصر طرفة والنابغة؟ وما معنى أن يكرر المعنى الواحد في عدة صيغ:
وأرانا ـ أبي ـ نواصل، لا أدري لماذا، طريقنا في صمات نحن مازلنا ـ في جنون ـ نحث السير لاننثني عن الخطوات نصل الليل بالنهار دؤوبين على السير في خطى ثابتات
هل هناك أي فرق بين مدلول أي بيت وآخر من الأبيات الثلاثة السابقة، وليتها كانت المرة الوحيدة التي يرتكب فيها هذا، عبر قصيدته، أنها تتكرر بفظاعة.
فما الذي دعا الشاعر إلى تكرير معانيه هل يتصور أننا لن نفهم ما يقول لو صاغه في قالب واحد .. فليثق أننا، كمتذوقين، حتى إزاء الشعر الغامض، نلتذ بالاحتراق في سبيل فهم ما يرمي إليه الشاعر، ونعتبر بالشاعر الذي يرمز إلى المعنى، ويترك لنا المجال لمتابعته، أقول نعتز بهذا الشاعر لأننا نشعر أنه يشركنا في أجوائه، ويعتبر قدرتنا على الفهم.
أم أن الشاعر التواتي يريد فقط أن يثبت لنا أنه متوفر على ملكة لغوية واسعة تساعده على أن يصوغ المعنى الواحد في عدة أشكال ..
إذا كان هذا ما يرمي إليه، فليتأكد من أننا مقتنعون به، ونزيد في تقديرنا لملكته اللغوية لو قال لنا، بدقة، ما يجمل أن يقال، ولم يملأ علينا جسم قصائده بكل ما يخطر له.
وليتأكد الأخ التواتي أنه لو اكتفى بموضوعه، وقصد إلى التكامل والتكافؤ بين تجربته، والجو الذي بداها به، لأتانا بتجربة ناجحة، ولما أوقعه ارتجاله في هذه الهفوات التي شوهتها كانتحاله جموعا غير موجودة