ثم انتظر، إنني أكاد أصعق، أنظر إلى هذا البيت:
تبسمت فأضاء الليل مبسمها:
العل الفتاة التي تنفر من النظر قد استغفلت أبويها، وخرجت من البيت، وبالليل، لتسابق الشبان في الأزقة المظلمة.
أن أن الشاعر انتحل الليل، فقط، ليهول علينا بهذه المبالغة التي جعلت ابتسامتها تضيء الليل كله.
ولنكمل البيت:
سبحان الله، تحول إشعاع العذراء فجأة وبدون مناسبة، وشع لي من الصب الملاحق، إلى الشاعر الهادئ، وباليته وقف عند هذا الحد، بل إنه جعل الشاعر مدنفا مريضا: بها، أي بحبها:
ـ وأنا المضني بها ـ قمرا
يخيل إلي أن الشاعر انتقل بنا من تجربة إلى أخرى ... فلنمض:
كبرت لما رأيت الفجر قد سطعت
آياته، ولمحت البشر قد غمرا
كنت أوشك أن أنتهي من الحديث، حين انتقل الشاعر، بدون مناسبة، من تجربته .. ولكن الشاعر كبر، فلا أقل من أن ننتظر الصلاة معه .. فلننظر إليه كيف شبه أسنان العذراء بالبتلات:
فم تفتح عن ماس كما انفتحت
براعم الزهر عن بتلاتها دررا
إنني خلال كل انطباعاتي عن الزهور وبتلاتها لم أعرف من الزهر إلا الذي بتلاته داكنة سمراء كأسنان الحشاشين.
وينهي الشاعر أوصافه التي زفها إلى العذراء، أو تنتهي به الأوصاف التي يمكن أن تقال في مثل هذا المقام إلى هذه الصورة الشعرية المتكاملة.
ربيبة الشمس لا تلقاك كاسفة
ولا ترد إليك الطرف منحرا
فهنا نجد شاعرية الحلوي قد وقفت إلى خلق تشبيه ينبض بالحياة والعمق، فالفتاة الجميلة سافرة لا يستر وجهها النقاب، ولكنها لا ترد الطرف منحرا.
وفي البيت ما يناقض المطلع، ولعل الشاعر رجع إلى الواقع فعبر عنه، ثم يستمر الشاعر في قصيدته يتحدث عن أشواقه، وعن حبه المثالي، وعن عذابه في هذا الحب العذري إلى أن يصل إلى هذا البيت الذي يفضح التكلف الذي تتسم به القصيدة كلها:
حملت صدري منها ما يضيق به
صدر الولوع، وما يهذي به الشعرا
إنه حمل قلبه فوق طاقته، في حبها إلى درجة أنه أحبها حب الشعراء، وهو يعلم أم وفاء الشعراء في الحب العذري نادر جدا، ولم يعرف منه تاريخ البشرية إلا حالات معدودة ...
ثم يستمر الشاعر ينشج على هذه النغمة إلى نهاية القصيدة .. ونحن لو أعدنا قراءة القصيدة وأمعنا فيها النظر، رغم أنها تنفر من النظر إليها، سنتأكد من أن الشاعر كتب لنا قصيدتين كل منهما لم يلق حظه من اهتمام الشاعر، ولعل السبب في ذلك، أن الشاعر لا يجد صعوبة ما في نظم قصائده، فيكتبها وبمجرد انتهائه من تسويدها يدفعها للنشر، وذلك لطول ممارسته للنظم، والقارئ المتذوق يستطيع أن يستشف من إنتاج الأستاذ الحلوي أنه لا يعاني مشقة ما في قرض الشعر.
فليعلم الأستاذ الحلوي أن السهولة علامة سيئة، في عرف علماء الجمال، إذ هي دليل قطعي على أن الشاعر لا يتجاوب نفسانيا مع ما ينتج، ثم إنني أتساءل هل يكلف شاعرنا نفسه مشقة إعادة أثره، بعد انتهاء فترة الإبداع، محاولا أن يكون متذوقا عاديا، يحاول أن يكيف ما وقع فيه، في اللاوعي، من تناقض أو تشويش في صلب تجربته المحققة، أم يكتفي بسهولة النبال الشعر عليه.
وأرجو أن يطالعنا الأستاذان بتجارب عانياها بعناية أكبر.
القنيطرة ـ ابن دفعة محمد