تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نؤاخذه على مدى ترابط القصيدة العضوي كما يقول النقد الحديث، أو وحدة القصيد كما يقول النقد الكلاسكي ..

فهل هناك وحدة؟ هل هناك ترابط عضوي بين أبيات القصيدة، هل تم ائتلاف وانسجام بين تضاعيفها، هل تخلق في قارئها جوا نفسيا معينا .. هل كان الشاعر موفقا في ملء الثغرات عبرها؟ أو بأبسط تعبير، هل عاش الشاعر تجربته وعاناها بالصبر والأناة اللازمين؟ لنعبر القصيدة إذن لنرى ماذا فيها من عناصر جمالية شكلا ومضمونا:

* * *

يبدو لي أن الشاعر يرمز بالبحر إلى «المجال» أي إلى «الأنا» في احتكاكها بالأنوات الأخرى وبالأشياء والأحداث، مؤثرة ومتأثرة، في دينامية مستمرة.

كما يرمز بالنهر إلى الأنا، أي إلى الشاعر نفسه، لأن الشاعر ينصهر في «المجال» بالمفهوم الذي أشير إليه، ومنه ينطلق، وإليه يؤوب، كما ينطلق النهر من البحر ويؤوب إليه.

وليس ضروريا أن يكون الشاعر رمى، واعيا، إلى الحلولية العميقة الإيحاء، التي تشيع في الرمز المشار إليه، ولا يعنينا هل قصد إلى اتخاذ هذا الرمز كخط رفيع يربط بين سطح القصيدة وخلاياها الخفية ... أم لا ..

لا يعنينا أكان الشاعر واعيا أم لم يكن، فمن حقنا، إن لم يكن من واجبنا، أن نؤول أثرا أدبيا ما على النحو الذي نرتئيه، مادام هذا التأويل لا يتجنى على الأثر.

بل أن مطلع القصيدة يوفر لنا بعض الدلائل التي توجب علينا الأخذ بهذا الرمز .. وتكاد تؤكد أن تأويلنا للأثر على هذا النحو لم يكن اعتباطا ...

... وشكا النهر للمحيط فأصغى في سكون ويقظة وأناة فهذه الواو والمسبوقة بنقط، والتي تأخذ بقفا المطلع، تدل بعمق على استمرار الحياة، أي أن النهر (الشاعر)، الذي يتحدث، لم يأت إلا بعد قطع أشواط بعيدة مما يتحدث عنه، ويشير بالواو والنقطتين إلى أنه لا يستطيع أن يتحدث أو يعبر عنها، ويترك للمتذوق أن يتخيلها عملاقا يمتد من النقطة الأولى إلى الوراء ...

وكلمة المحيط، التي استعملها الشاعر «النهر» في المطلع بدل البحر؟ أليست مرادفة للبيئة التي يقرب مفهومها من مفهوم المجال، حتى عند علماء النفس، وعلماء المجال، الذين يحرصون على تحديد مدلول الألفاظ.

وأخيرا، هذا الإصغاء الساكن اليقظ المتأني الذي يصف به البحر «المجال» هل الشاعر مخبول حتى يسوق مثل هذه الأوصاف لبحر حقيقي، وهو يعلم أن نسبة كبيرة من صائدي الأسماك، ينتهي بهم الأمر لفقد السمع، لصخب البحر، أو يبتلعهم شبابا لعدم أناته .. واستحالة سكونه ..

نحن، إذا، إزاء بيت من الشعر قد يستهان به، ويعتبر من أسف أنواع الشعر، لو أغفلنا هذه الرمزية القوية الإيحاء التي تسربله ..

فلنتمسك بها، رمى الشاعر أم لم يرم إليها، ولنحاسبه فقط عن مدى احتفاظه بهذا المستوى العالي في قصيدته، عن مدى وفائه أو تنكره للرمزية في تضاعيفها، عن مدى ارتجاله؟ وأناته وهو يعانيها.

يبدأ «النهر» شكاته مباشرة بعد هذا المطلع الجيد، فانظر إلى شكواه كيف بدأها، وهي منسجمة مع المطلع:

قال: يا أصل مالنا نغرق الكون دواما بمغريات الحياة؟

إنه لازال ذا صلة بالرمزية التي تلهب المطلع، لولا هذه «الدواما» التي يلوح، من بعيد، أنها احتلت مقعدا لم يهيأ لها إلا اضطرارا حتى ليخيل إلي أن مكانها شاغر ..

ويستمر الشاعر في شكواه، ثم تتدفق عليه، وتكتسحه، تماما كما يكتسح الطوفان النهر، فتمتد مياهه المشوبة بالقش، والشوك، والجثث، وتصبح جسما ملتحما مع النجد والصفصاف.

إن الشكوى أجفلت بالشاعر فلم يستطع أن يكبح جماحها، فإلى أية هاوية ساقته؟ إن جماح شكواه أدى به إلى التنكر إلى نفسه، فكررها، وناقضها، وانحط بها إلى الأرض، بعد أن انطلقت من أجواء عالية ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٨٠