تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطبيعي أن يحدث، فوالدها كان يمنعها من أن تتمتع بالحياة كسائر النساء، ولكن أنوثتها كانت أقوى وأعنف من أن تموت.

وحينما أتيح لنا أن نرى الآنسة إميلي من جديد، لاحظنا بأنها تضخمت وأن شعرها قد خطه الشيب.

وعلى مر السنين ازداد شعرها بياضا إلى أن اتخذ لونا رماديا تمتزج فيه ألوان الحديد والبهار والملح.

وعنذئذ لم يعد لونه يتغير. واحتفظ شعرها بلون الحديد الرمادي، إلى أن وافتها المنية بعد ما بلغت الرابعة والسبعين من العمر، كما احتفظ شعرها بقوته، مثل شعر رجل في عنفوان شبابه.

وابتداء من تلك الفترة من حياتها ظل باب دارها مغلقا، باستثناء مدة من الزمن تتراوح بين الست والسبع سنوات كانت خلالها تعطي دروسا في الرسم على البورسلين، حينما كان عمرها يبلغ الأربعين تقريبا. وكانت قد أقامت في إحدى غرف الطابق الأرضي مرسما تتردد إليه بنات وحفيدات معاصري العقيد سارتوريس، ويواظبن على ذلك مثلما يواظبن على الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، وفي يد كل واحدة منهن خمسة فلوس تسلم يعد نهاية كل درس. ولكنها كانت معفية من الضرائب.

ثم أصبح الجيل الجديد عماد المدينة وروحها وكبرت تلميذات دروس الرسم وتفرقت بهن السبل ولم تعد بناتهن يترددن على المرسم بعلب الألوان والريشات المزعجة والصور المقتطفة من مجلات السيدات. وانغلق الباب بعد تخرج آخر تلميذة وظل كذلك نهائيا. وحينما حصلت المدينة على حق توزيع البريد مجانا كانت الآنسة إميلي هي الوحيدة التي رفضت أن يسجل رقم فوق باب دارها وأن يثبت فوقه صندوق للرسائل. وفشلت سائر المحاولات لإقناعها.

وكنا، في كل يوم وفي كل شهر وفي كل سنة، نشاهد الزنجي حينما يدخل إلى الدار ويخرج منها حاملا سلة لقضاء الأغراض من السوق، وشعره خلال تلك المدة كلها يزداد بياضا، وظهره يزداد تقوسا. وفي شهر كانون الأول كنا دائما نرسل إليها ورقة الضرائب، ولكن إدارة البريد كانت تعيدها إلينا مع هذه الملاحظة: لم يأت لاستلامها أحد. وكنا نشاهدها بين الحين والآخر في إحدى نوافذ الطابق الأرضي ـ كانت طبعا قد أغلقت الطابق الأول ـ وكانت تبدو لنا مثل القسم العلوي من صنم منحوت موضوع في مشكاة ولم نكن ندري فيما إذا كانت تنظر إلينا أم لا. وهكذا بقيت على مر الأجيال، عزيزة الجانب، غامضة، محافظة على هدوئها وغرابة أطوارها.

ثم ماتت. لقد أصيبت بالمرض في الدار التي امتلأت بالظلال والغبار ولم يكن ليساعدها سوى الزنجي الذي نفذت قواه. ولم نسمع حتى بمرضها فقد انقطعنا منذ زمن بعيد عن تلقي أخبارها من الزجي الذي لم يعد يكلم أحدا، وربما لم يعد يكلمها هي أيضا لأنه قد بح صوته وجش من قلة الاستعمال.

وجاء الزنجي إلى الباب ليستقبل أولى السيدات فأدخلهن ـ بأصواتهن المنخفضة ونظراتهن السريعة الخاطفة ـ ثم اختفى عن الأنظار: لقد اجتاز الدار كلها وأخرج من الجانب الخلفي، ولم نعد نراه أبدا.

ووصلت بنتا العم في الحين، فقامتا بتنظيم مراسيم الدفن في اليوم الثاني. وجاء سكان المدينة بأسرهم، لمشاهدة الآنسة إميلي التي كانت مسجاة تحت كومة من الأزهار. وكانت صورة والدها تبدو فوق النعش وكأنها مستغرقة في الأحلام. وأما السيدات فقد كان يتبادلن الأحاديث عن الموت بصوت منخفض، وأما الرجال المسنون فقد ملأوا البهو والحديقة وكان البعض منهم قد ارتدى بدلات الكونفدرالية الأنيقة، وكانوا يتحدثون عن الآنسة إميلي كما لو أنها كانت معاصرة لهم وهم يتخيلون أنهم راقصوها في صباها أو ربما غازلوها. وهم إنما يفعلون ذلك لأنهم فقدوا الشعور بفكرة الزمن وبتقدمه المستمر، كما يفعل سائر الشيوخ الذين يعتقدون بأن الماضي لا يشبه طريقا يتناقص في الطول، بل هو على العكس من ذلك عبارة عن مرج واسع لا يصل إليه فصل الشتاء. ولكن السنوات العشر الأخيرة من حياتهم كانت قد فصلتهم عن هذا المرج. وكم تشبه تلك السنوات العشر الأخيرة عنق القنيتة الضيق!

كنا نعلم بأنه توجد في الطابق الأول غرفة لم تفتح منذ أربعين سنة، وأنه يجب علينا أن نحطم بابها. وانتظرنا قبل فتحها أن يتم دفن الآنسة إميلي بالشكل اللائق.

وحينما حطمنا الباب بدفعه عنيفة وجدنا أن الغرفة مملوءة بغبار أخذ بخناقنا من كل جانب.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٧٧