وخيل إلينا أن مدخنة ذات رائحة قوية مخرشة قد أفرغ ما فيها ونثر على كل ما يوجد في هذه الغرفة التي زينت وأثنت وكأنها قد أعدت لليلة العرس: على الستائر الدمشقية ذات اللون الوردي الباهت، وعلى مصابيح الأباجورات الوردية، وعلى طاولة الزينة وعلى الأدوات الناعمة المصنوعة من البلور وعلى العلبة التي توجد فيها أدوات الحلاقة بغطائها الفضي الباهت، بل إن لون الغطاء باهت إلى درجة أن الأحرف التي رسمت عليه لا تكاد تظهر. وكانت توجد أيضا داخل هذه العلبة قبة قميص وربطة عنق، وكانت موضوعة بشكل يجعل الإنسان يعتقد بأن صاحبها قد خلعها منذ وقت قريب. وحينما رفعناها من مكانها، تركت في الغبار أثرا أصفر اللون. أما الثوب فقد طوي بعناية ووضع فوق الكرسي. وكانت الجوارب والأحذية مرمية تحت الكرسي، وكانت بكماء لا تحير كلاما.
وأما الرجل بالذات، فقد كان نائما على السرير. وبقينا مدة طويلة جامدين، ونحن ننظر إلى ضحكته الساخرة العميقة التي ارتسمت على الفم الخالي من اللحم. ومما لاحظناه أن جسمه كان لابد أنه اتخذ بعض الوقت وضعية العناق، ولكن النوم الأخير الذي يبقى بعد الحب، النوم الذي استطاع أن ينتصر على ضحكة الحب، هذا النوم أخذه على حين غفلة. وما بقي من ذلك الجسد الذي تفسخ تحت بقايا قميص النوم، أصبح يشكل وحدة واتصالا مع التخت الذي نام عليه. وتشكلت فوقه وفوق الوسادة بالقرب منه، طبقة متساوية السمك من الغبار العنيد.
ولاحظنا حينذاك أن أثر رأس قد شكل حفرة في الوسادة الأخرى. وأمسك أحدنا فوق الوسادة شيئا ما، وحينما انحنينا وبدا الغبار الناعم الممتنع عن اللمس يملأ خياشيمنا برائحته الجافة المخرشة، لاحظنا بأن ذلك الشيء هو شعرة، شعرة طويلة لونها رمادي كلون الحديد.
الجزائر ـ حنفي بنعيسي