ـ إن كل هذه الأنواع التي ذكرتها تستطيع أن تقتل فيلا، ولكنك يا سيدتي تريدين ..
ـ سم الزرنيخ. هل هو قوي المفعول؟
ـ هل تريدين الزرنيخ؟ .. حاضر يا سيدتي .. ولكن طلبك ..
ـ إني أريد الزرنيخ.
ونظر إليها الصيدلي. وتطلعت إليه بنظرة جامدة. فقال الصيدلي:
ـ طبعا يا سيدتي، سأحضره إذا كان ذلك حقا هو ما تريدين. ولكن القانون يفرض عليك أن تذكري وجه الاستعمال ..
واكتفت الآنسة إميلي بأن حدقت فيه وقد أمالت رأسها إلى الوراء حتى تستطيع أن تركز عينيها في عينيه. وطال بها الأمر على هذه الحالة حتى اضطر في الأخير أن يحول عنها نظره وأن يذهب لكي يحضر لها الزرنيخ الذي وضعه في ورقة. وحمل الزنجي إليها هذه البضاعة ولكن الصيدلي لم يرجع. وحينما وصلت إلى الدار وفتحت الرزمة، شاهدت بأنه قد كتب على الصندوق، تحت الجمجمة والعظام المتصالبة: من أجل الجرذان.
ولهذا فإن سائر الناس أصبحوا يقولون في اليوم التالي: أنها ستنتحر. وكنا نعتقد أن ذلك هو أفضل ما يمكن أن تقوم به. لقد تعودنا أن نقول في بداية علاقتها مع هومر بارون: أنها ستتزوجه. ولكننا فيما بعد أصبحنا نقول أنها ستجعله يقدم على الزواج بها في آخر الأمر. والسبب في ذلك أن هومر نفسه كان قد أدرك أنه ليس ممن يتزوجون، فقد كان يحب صحبة الرجال، وكان من المعروف أنه يتعاطى شرب الخمر مع أصغر أعضاء نادي «الك». ثم صرنا نقول: مسكينة، إميلي. نقول ذلك من وراء النوافذ، حينما يمران في وقت الظهر من يوم الأحد، فوق العربة اللامعة. أما هي فرأسها مرفوع في السماء، وأما هو فقبعته مائلة على أذنه والسيجارة بين أسنانه، والأعنة والسوط في قفاز أصفر اللون.
وحينئذ صارت بعض سيدات المدينة يقلن بأن هذا عار للمدينة وأنه يعد مثلا سيئا للشباب.
ولم يجرؤ الرجال على التدخل في القضية، ولكن السيدات أرغمن في آخر الأمر الخوري على أن يذهب إلى بيتها، لأن أسرة إميلي تنتمي إلى الكنيسة الأنكليكانية، ولم يشأ الخوري أن يكشف عما دار في هذه المقابلة، ولكنه رفض أن يعود مرة أخرى. وفي يوم الأحد التالي خرجا كعادتهما على العربة وبعد ذلك بيوم واحد كتبت زوجة الخوري رسالة إلى أقارب إميلي في مقاطعة الأباما.
ونتيجة لذلك، فقد اضطرت الآنسة إميلي أن تستقبل في دارها بعض الأقارب واستعد سائر الناس لتتبع الحوادث، غير أنه في البداية لم يحدث أي شيء ثم تيقنا أنهما سيتزوجان، فقد علمنا أن الآنسة إميلي ذهبت إلى صائغ المجوهرات، كما أنها أمرت بتحضير بعض اللوازم للرجال، على أن توضع الأحرف الأولى: هـ. ب. على كل قطعة منها. وبعد مرور يومين اشترت جهازا كاملا من ملابس الرجال، بما فيها ثوب النوم، وقلنا في أنفسنا: إنهما ولا شك متزوجان؟ وكنا مسرورين من ذلك. ومما زاد سرورنا أن بنتي عمها كانتا تشرفان أسرة جريرسن أكثر مما فعلت الآنسة إميلي.
ولهذا فإننا لم نندهش حينما غادر هومر بارون المدينة بعد أن تم تبليط شوارع المدينة بمدة قليلة. لقد شعرنا بخيبة الأمل بعض الشيء بسبب عدم إقامة أية حفلة ولكن كنا نعتقد بأنه قد غادر المدينة لكي يهيء بيتا يستقبل فيه الآنسة إميلي أو أنه كان ينوي أن يساعدها على التخلص من بنتي عمها. (لقد كان رأينا موحدا حول هذه المسألة، وكنا جميعا حلفاء للآنسة إميلي حتى تطرد بنتي عمها). ولكن من المؤكد أنهما غادرتا المدينة بعد مرور أسبوع. ولم تكد تمر ثلاثة أيام حتى رجع هومر بارون، حسبما توقعنا. وقد رآه أحد الجيران ذات أمسية في وقت المغيب، حينما أدخله الزنجي إلى الدار من خلال باب المطبخ.
ومنذ ذلك الحين، لم نعد نرى هومر بارون كما أنا انقطعنا مدة من الزمن عن رؤية الآنسة إميلي. وكنا نشاهد الزنجي داخلا إلى الدار وخارجا منها، وهو يحمل سلة لقضاء الأغراض من السوق. ولكن باب الدخول ظل مسدودا. وكنا نشاهدها بين الحين والآخر في النافذة، حيث تقضي بعض الوقت، مثلما حدث في الليلة التي ذهب فيها الرجال لكي ينثروا الكلس في دارها، ولكنها انقطعت عن الظهور في الشوارع مدة شتة أشهر. وأدركنا أن ذلك كان من