العربي كعرقلة كبرى لتقدم العرب: فبدلا من أن يتوجهوا إلى معارك البناء والعلم ومتابعة سير التقدم والحضارة، جعلتهم هذه المشكلة الكبرى ينهكون قواهم الفكرية والاقتصادية، والزمنية، في وضع الخطط والاستعداد لمقاومتها.
الإقطاع إذا من مخلفات الاستعمار الغربي بلاشك، لا في العالم العربي فقط، بل في العالم المتخلف كله.
والمشكلة الإسرائيلية الصهيونية من أعظم مخلفات هذا الاستعمار نفسه في العالم العربي والإسلامي في نفس الوقت.
وإذا كان مشكل التخلف الاقتصادي، ومظهر سيطرة الإقطاع في بعض الأقطار العربية مفهوما، وعلاجه واضحا ومعروفا، فإن مشكلة إسرائيل وضعها الغربيون أنفسهم، ومنهم هذا الكاتب العبقري، تحتاج إلى التحليل والنظر: ذلك أن المشكل الإسرائيلي بالنسبة للعرب ليس مشكل كراهية أولا، أو مشكل عنصرية من العرب ضد اليهود، بل إنه مشكل استعمار وخطط استعمارية موضوعة منذ أكثر من نصف قرن، ويجب أن تزال، أنها مجرد مؤامرات مفضوحة تؤيدها قوة كبيرة، ولابد من القضاء عليها بشكل أو بآخر، أما كيف ومتى؟ فإن ذلك ما ستحدده حوادث التاريخ وتطورات السياسة الدولية في مستقبل الأيام.
ألا يمكن أن تعد الكراهية نفسها سلاحا يستعمل ضد العدو الغاصب؟ وبعبارة أخرى هل يصح أن نواجه أعداءنا بالابتسام والمصالحة على حساب الأرض المغصوبة، وفي سبيل التقدم المزعوم الذي تحمله إسرائيل إلى العالم العربي؟ ثم أي تقدم هذا الذي يحمله عدوك عندما يغصبك الحياة؟.
لقد ثبت منذ أمد بعيد، وأثبتت الأحداث التاريخية الكبرى، أن الشعوب لا تنهض إلا لتمسكها بعقيدة. وإيمانها المصمم بتفوق عقيدتها على المذاهب الأخرى، وبذلك نهض الإسلام، وأسس حضارة كبرى، وعندما نادى السيد جمال الدين الأفغاني المسلمين في جميع أقطار الأرض إلى النهوض وطرح الخمول والخنوع، دعاهم إلى التعصب للعقيدة، وشرح هذا التعصب بفلسفة واقعية لا غبار في منطقيتها، فقال: إن الحضارة لها أركان وأسس لا تقوم إلا بها، وأهمها أن يكون هناك شعب يتمسك بعقيدة ذات مبادئ إنسانية وأخلاقية ـ ويؤمن بأنها أصح العقائد وأسلمها. إنها فلسفة القوة، القوة في الاعتقاد، وفي الثقة بالنفس، وفي الإحساس بالمسؤولية. ولكن هذا الاعتزاز ليس معناه قهر العقائد الأخرى، أو الكيد لأصحابها، فلقد مرت حقا عهود الغزو والحروب الدينية بقصد فرض عقيدة على العالمين، ولكن بقي أيضا مبدأ الدفاع عن النفس والمعتقد كأهم المبادئ الدينية والقانونية والاجتماعية لدى جميع الشعوب. فلا مجال إذا للشك في أن العقيدة الإسلامية نفسها لا تكيد ولا تحمل كراهية للشعب الإسرائيلي، ولا للشعوب الأجنبية الأخرى، نعم إنها تستنكر عبادة الأوثان والإلحاد كنقائص بشرية، ولكنها لا تحمل في طياتها أية كراهية لأهل الديانات السماوية على الخصوص.
وهكذا نرى أن التعصب للعقيدة عندنا ليس معناه كراهية اليهود أو أي جنس آخر، لكن هذا لا يمنع أن على المسلمين حق الدفاع عن هذه العقيدة نفسها إذا ما مست في أحد مقدساتها، أي شيء أهم من الأرض والوطن إذا طردت منها العقيدة؟.
إن العرب عندما يكرهون اليهود في الواقع لا ينظرون إليهم كبشر يحملون عقيدة دينية معينة، فلقد حدث أن عاش اليهود ولا يزالون بدينهم وتقاليدهم في جميع الأصقاع العربية والإسلامية، وعلى مر التاريخ دون أن يمسوا في عقيدتهم أو في أبسط حقوقهم، على العكس مما وقع لهم في أوربا، ولقد لوحظ حتى في أشد فترات الصراع بين الصهيونية والعرب، إن بعض البلاد العربية استقلت وألحت بالخصوص على التصريح العلني بحفظ حقوق اليهود كمواطنين، بينما نجد أن العناصر المسيطرة في إسرائيل إنما هي عناصر أروبية، قدمت إلى الشرق العربي تحت عناوين مختلفة وأشكال متباينة أهمها تلك الوسائل الماحقة التي استعملت في اضطهادهم وكراهيتهم من طرف شعوب أروبا المتحضرة.
إن هناك كتابا غربيين آخرين من دعاة الأفكار الإنسانية، من عالجوا بدقة أسس ونتائج كراهية شعوب أروبا للعنصر السامي في ذات اليهود الذين يعيشون بينهم، وعندما حاول الكاتب الفرنسي جان بول سارتر أن يضع حلا لفكرة معاداة السامية ( antisémitisme) بفرنسا وجد أن ليس هناك في الواقع أي مشكل يهودي، إنما هناك فقط مشكل فرنسي يتعلق بكراهية اليهود، ولم يجد هنا حلا إلا