تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع4 /يناير 1963 .................... ص 43

أزمة اللغة العربية

للأستاذ: محمد عبد المالك الكتاني

إن التجارب التي عشناها قبل الاستقلال وبعد الاستقلال، والتي مرت بها شعوب أخرى مثلنا علمتنا أن كبريات المشاكل هي تلك التي تنبثق من ممارسة الإنسان للمسؤولية إذ غالبا ما يتلاشى حماس المرء لحريته في غمرة القضايا التي تخلقها الحرية نفسها.

والحقيقة التي نجابهها اليوم هي أننا متخلفون في ميادين كثيرة ولكن مناقشة هذا التخلف على الصعيد السياسي وحده يخلق فينا نوعا من العمي «اللوني» نتيجة لسيادة المنطق السياسي، وصخب المحترفين السياسيين.

إن مناقشة التخلف القومي أو الوطني لا يمكن أن تستوعب جميع مظاهر نقصنا وتنفذ إلى قلب الحقيقة إلا من خلال تحليل الفكر العربي المعاصر لأنه وحده يعكس واقع المجتمع العربي وعلاقاته المختلفة وقضاياه الجوهرية، وبالتالي مناقشة الثقافة العربية لأنها تعكس حياة الفكر وما يعانيه من أزمات، وما يتخذه من مواقف إزاء الواقع.

وقصدنا من ذلك أن نضع الشمكلة اللغوية التي نأتمر لها اليوم في مكانها من الكيان الثقافي والجهاز الحضاري فننظر إلى هذه اللغة على أساس اتصالها بنا كأمة، واتصالها بالحياة في نطاق الحضارة الإنسانية، ومن معطيات هذه النظرة أنها تجنبنا الوقوع في اتهام اللغة أحيانا بما يجب أن نتهم به ثقافتنا أو حضارتنا. كما أنها تجنبنا الوقوع في الارتجال.

إن اللغة هي الأداة الأولى لنقل الثقافة، ولذلك نعتبر أعظم مؤسسة اجتماعية بالنسبة لكل أمة، إذ هي مستودع تراثها وعماد حضارتها. يقول أحد الكتاب «إن الحيوان لعجزه عن اختراع اللغة لا يختزن تفكيره، ولا ينتفع لهذا السبب بتفكير آبائه وأجداده، ولكن اللغة عندنا جعلت الزمن تاريخيا والفضاء جغرافيا. ولولا الكلمات التي جعلت الزمن تاريخيا والفضاء جغرافيا لما استطعنا أن نفكر أو نختزن اختباراتنا فضلا عن اختبار معاصرينا وأسلافنا وليس بعيدا أن يكون التفكير كلمات غير منطوقة، واعتقادي أننا ننسى اختباراتنا في السنتين الأوليين من أعمارنا لأننا لم نربط هذه الاختبارات بكلمات تجعل التفكير فيها ممكنا لأنها لم تنقش في الذاكرة بكلمات».

إن كل حالة ثقافية إذن لابد أن تكون حالة من الخصب العقلي والنفسي يقتضي التعبير عنه بدقة وأمانة أن تكون هناك وسيلة تضمن الاتصال بين الأفراد والجماعات والأجيال، وهذه الوسيلة هي اللغة فهي ضرورة اجتماعية وفردية معا ونظرا لقيام اللغة بأعباء الفكر والوجدان فإنها تعتبر جزءا منهما، أي جزءا مهما من الكيان الثقافي لكل أمة. لأنها تجسد حضارتها وتسجل تطورها.

فدراسة اللغة بمعزل عن واقع الثقافة إذا كان يفيد في بعض فروع «الفيلولوجيا» أو فقه اللغة فإنه ليس كذلك دائما لأنه يجرد اللغة من واقعها الاجتماعي والحضاري وما يربطهما بهما من مقومات حيوية.

لذلك أريد عرض واقعنا الثقافي قبل الدخول في مشكلة أزمة اللغة العربية لنعرف هل هناك من نقص أو خلل ثقافيين ينعكسان على لغتنا بآثارهما.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٤٦