إن الفكر العربي الأول، الذي تمثله قصائد الجاهليين والمعلقات منها على وجه الخصوص، فكر مادي سطحي يتتبع المحسوس ويغرق في هذا التتبع، ويخترع لكل حالة محسوسة إسما جديدا حتى لتجد عندهم للمسمى الواحد أسماء متعددة .. ولما جاء الإسلام وقامت دعوته الروحية على الأخلاق والمثل ونبذ الإغراق في المادة تلقحت العربية بهذا اللقاح الحضاري الذكي وأثبتت قدرتها على سعة المعاني الجديدة، عن طريق الاستعارة والمجاز والاشتقاق والوضع.
إن العربية مادية التفكير والتعبير في الأصل وليس بصعب ولا شاق على العربي اليوم أن يشتق أو يضع لأسماء المخترعات الحديثة في مختلف العلوم والفنون أسماء مادية جديدة لأن ذلك من طبيعة تفكيره، أما ألفاظ الحضارة فالعربية من أغنى لغات العالم بها، وما جد منه في العصر الحديث يمكن أن تسعه كما وسعت ألفاظ الحضارة الإسلامية في القديم.
إن العربية بالمغرب لا تعجزها المصطلحات العلمية المادية أن تجد لمسمياتها أسماء مناسبة للمسميات العلمية الحديثة، ولقد حفظت لنا معاجم العربية كنوزا غنية من هذا القبيل، وبذلك أدت العربية ما عليها وبقي على أهل العربية أن يؤدوا واجب العربية الذي في أعناقهم.
ومن أسرار استمرار العربية بالمغرب أيضا ما لهذه اللغة من ماضي مجيد في أرضنا، فلقد مضى على العربية في بلادنا عهد كانت فيه مدراس للنحو ومذاهب في العربية، كما كان للمشارقة، فقد كان يشار إلى المذهب المغربي أو الأندلسي في النحو كما كان يشار إلى مذاهب البصرة والكوفة فيه وإلى مذاهب أهل الشام والعراق ومصر، ولقد كانت لنا إلى جانب هذا كله في علوم اللغة وفقهها أو «آلتها» ـ كما يقولون ـ مؤلفات وآثار.
إن العربية اليوم تقف على أقدامها سليمة بعد الكفاح الطويل المستميت الذي خاضته خلال العصور، وما على أهل المغرب إلا أن يأخذوا بيدها لتثبت لهم طواعيتها ومساعدتها لهم في سائر الميادين.
لقد قابلت العربية «التحدي» بصبر وثبات، وقاومت عوامل الضعف والفناء، وهي لا زالت على استعداد مقاومة كل تحد بتحد مثله أو أكبر منه، لتثبت عبقريتها وخلودها واستمرارها على مر العصور.
وصدق الله العظيم «أنا نحن نزلنا الذكر، وأنا له لحافظون» ولغة «الذكر» هي العربية لغة المغرب ولغة العرب أجمعين.
سلا ـ عبد الله الكامل الكتاني