تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إننا مختلفون جدا في مفهوم الثقافة لأسباب كثيرة ولذلك لا آمن على حديثي من سوء الفهم عندما أتحدث عن الحياة الثقافية. فالثقافة من حيث المدلول اللغوي أمر بسيط ولكنها كمفهوم حضاري مفهوم معقد له مساس بالفلسفة والحياة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيش الفرد في نطاقها.

«الثقافة معرفة منظمة تكسب صاحبها علاقة واعية بالكون والحياة وسلوك منسجم مع معطيات الفكر يتحول إلى خلق ثابت. وتجهيز حضاري قائم على تلك المعرفة، وهذا السلوك يحقق الإنسان المثقف به مختلف حاجاته المادية والروحية.»

هذا المفهوم غير موجود عندنا. وإنما الذي نروجه من مفاهيم الثقافة في أوساطنا أنها معرفة واطلاع أو تعلم ينتهي عادة ببعض الشهادات. ولما كان هذا المفهوم لا يختلف في شيء عن معنى «دراجي» يروجه العامة والخاصة فإن الثقافة ليست حافزا في حياتنا، وليست ذات طابع عميق يكتسب المرء من خلالها القيم الأخلاقية والاجتماعية اللازمة.

يضاف إلى ذلك أن واقعنا ليس قائما على شروط ثقافية، أي على معطيات العلم والنظام والديمقراطية بقدر ما يقوم على عناصر من الوصولية والانتهازية والفوضى والمنافسة والصراع المادي الذي تتلاشى فيه جميع قيم الإنسان بما فيها حريتة وكرامته.

ولكن تخلفنا هذا لا يتراءى لنا كفراغ ثقافي وانعدام معطيات ثقافية. لأننا نملك عوضا عنهما تكديسا في المعارف والأفكار من كل صنف ولون. وتكديسا في أجهزة الحضارة من كل دولة وأمة، واتجاهات سياسية وعقلية من كل جهات الدنيا الأربع، يجعل منا مستهلكين لا منتخبين، نجتر ولا نهضم، نردد ولا نبتكر أو نحكم. وهذا هو سر التنافر والفوضى بين مختلف مظاهر حياتنا، إن في الأفكار أو في الأشياء.

وأننا متخلفون ثقافيا وحضاريا أي متخلفون في فهم الأشياء على حقيقتها وفي امتلاك أفكار سليمة تقودنا إلى النظام والتنسيق والابتكار والإيجابية.

إن قادتنا وساستنا عندما يضعون مشكلة التخلف إذن على الصعيد السياسي أو الاقتصادي إنما يتجاهلون الأسباب الجوهرية لهذا التخلف، ومن رواسب هذا المنطق أن يعتقد البعض أننا لمجرد ضعف في القوى العسكرية أو المادية نقف في مؤخرة الدول الناهضة.

صحيح أننا متخلفون في شتى الميادين، السياسي منها والاقتصادي، ولكن لا يعكس سوى تخلفنا في إيجاد تصميم وتخطيط يحول طاقتنا البشرية إلى فعل، إلى ابتكار إلى تجهيز إلى تعبئة إلى فاعلية وبالتالي لا يعكس هذا التخلف سوى انعدام أفكار سليمة قادرة على إيجاد القوة والتطور والاندفاع في حياتنا.

إن هذه الأفكار السليمة هذا المنطق الجذري هو الذي أوحي للصين أن تقضي على الذباب مثلا خلال أسبوع وفق تصميم وتخطيط، وعدمها هو الذي يجعلنا نعالج القضية فرادى داخل منازلنا ننشه ونطرده في منتهى اللامبالاة.

إن أزمتنا إذن تتلخص في كوننا لا نتبنى المفهوم السائد للثقافة في مضمونه الحضاري، أي أننا نعيش في فوضى فكرية تنعكس على واقعنا في مظاهر واضحة للعيان، تردد في مجابهة المشاكل، سلبية في الأفكار، ارتجال في الحلول، تعفن في الإدارة، تكدس في الأجهزة، تناقض بين الواقع والنظريات.

وواضح أن اللغة هي أيضا لا تنجو من آثار هذا التخلف الثقافي بل إنها تعاني رواسب الأزمة بوجه عام، لأنها أول مؤسسة وطنية تعكس هذه الفوضى والبلبلة في كل مجتمع من المجتمعات.

وقد قلت سلفا وأؤكد الآن أن اللغة ليست كما كنا نعتقد قديما وسيلة للتعبير عن الفكر، لأن نتائج البحث النفساني (السيكلوجي) أظهرت إلا واسطة أو غاية في اللغة، لأن اللغة هي وجدان الإنسان ولهذا سمي الوجدان وجدانا، لأن الإنسان يجد نفسه فيه.

فهو خط بين نقطتين، وأجد وموجود. ولهذا كانت الكلمة على صيغة المثنى في العربية.

والوجدان وعي، والوعي مدركات تختزنها اللغة. وسرعان ما تأخذ اللغة هوية المدركات فتصبح هي نفسها. فإذا أمعنا النظر في هذه المقدمات وصلنا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٤٧