تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجمعة» والأعياد وسائر المناسبات الدينية كان لسانها عربيا مبينا.

والتعليم كانت له مراكز هامة تستمد إشعاعاتها من جامعة «القرويين» في كل من مراكش وتطوان وموريطانيا وجبال الأطلس، ثم اتخذت حركة الاستمرار العربية هذه شكلا آخر في مؤسسات التعليم الخاص أو التعليم الإسلامي الحر التي أنشئت على غرار مؤسسة «مدارس محمد الخامس» في الرباط وفي غيرها من المدن والقرى المغربية.

إن هذا الشكل من الاستمرار في الإدارة وفي التعليم لم تكن تشجعه إدارة الحماية الأجنبية بل كانت تحاربه بكل ما أوتيت من قوى وتضع في سبيله العراقيل المختلفة لتحاول أن تقطع هذا الاستمرار الذي لم يكن من الممكن أن ينقطع بحال من الأحوال، إن العربية تدافع عن نفسها في وطنها، ودفاعها وإن كان في صور سلبية فهو دفاع المستميت الذي يأبى إلا أن يستخرج من الضعف القوة ومن عوامل الفناء بواعث النهضة والبقاء، ولقد سعت الحماية جهدها لتقضي على العربية في «مهدها» فأفلحت إلى حد ولكنها لم تستطع أن تؤدي بخط الاستمرار التاريخي للعربية إلى الانقطاع.

ولقد قاومت العربية بجميع الوسائل الإيجابية أو السلبية الممكنة، وأذكر منها ها هنا للبيان والتوضيح فقط أن بعض الآباء ـ حبا للعربية وخدمة لها ودفاعا عنها ـ كانوا يعلمون أبناءهم القرءان الكريم.

ويتعهدونهم في حفظه وتجويده وإتقانه داخل بيوتهم الخاصة، فهل كان الاستعمار يستطيع أن يمنع هؤلاء الآباء من مثل هذا العمل داخل البيوت وهو لا يعلم به؟ إن هذا ما يفسر لنا كيف أن طائفة هامة من المغاربة الذين درسوا في المعاهد الأجنبية كانت تستطيع أن تقرأ العربية «اللغة الأم» وتفهمها وتعبر فيها تعبيرا متكسرا بعض الشيء رغم أنها لم تتعلم هذه اللغة في المدارس، بل إن من هؤلاء من قد استقامت له الكتابة السليمة فيها، والارتجال القوي المبين، وما ذلك كله إلا مظهرا من مظاهر دفاع العربية عن كيانها ووجودها في هذا الوطن المغربي الحبيب.

أما اليوم فإننا نرى الأبواب مفتوحة أمام العربية واستمرارها في جميع الميادين العامة والخاصة منها على السواء، إذ أن مختلف الإدارات المغربية ـ إلا ما قل منها ـ تقبل المراسلات العربية وترد عليها بالعربية، وتعتمد بعض الوثائق بها دونما حاجة إلى ترجمة أو تعجيم.

والتعليم قد زكت ساعات العربية فيه بالنسبة إلى أيام الحماية.

والأهم من هذا كله أنه قامت في البلاد كلها مظاهرات عامة وخاصة من قبل الهيئات الشعبية والرسمية منادية بالعربية والتعريب، وما ذلك إلا لتنبه الوعي العربي في البلاد وسعي العربية الحثيث للدفاع عن نفسها.

إن المستقبل في هذه البلاد للعربية ولأهل العربية، فما على الذين لا يحسنونها إلا أن يأخذوا لأنفسهم الحيطة منذ الآن قبل أن يصدمهم الواقع الناهض للغة العرب في هذه البلاد، إننا على أبواب انبعاث جديد، وكل ما ينبغي أن يقال بهذه المناسبة أن التاريخ لم يشهد البتة انقطاعا في خط استمرار العربية في هذه البلاد في أسوأ ظروفها، فكيف يمكن أن يحدث مثل هذا الانقطاع في وقت تنبهت فيه العربية وجاء أوان عزها ومجدها، إن العربية التي كافحت عاديات الزمن وفرضت نفسها في كثير من بقاع العالم يمكن لها اليوم أن تستعيد مكانتها رغم أن الواقع لا يزال يحمل لها بين طياته ضعفا ووهنا من آثار عصور التخلف السحيقة التي مرت بها في هذا القطر الحبيب وفي غيره من أقطار العروبة.

ومن هذا العرض الوجيز لبعض مظاهر استمرار العربية بالمغرب يمكننا استكناه سر هذا الاستمرار الذي يبرز أول ما يبرز في كون المغرب وطنا عربيا ومعقلا من معاقل العروبة الحصين، فكان طبيعيا أن تلتجئ إليه اللغة في أيام محنتها زمان عصور الانحطاط واستيلاء العناصر الغربية على مقدرات بلادنا ولغتنا، فاعتصمت العربية وامتنعت على الزمن بعزلة المغرب لنحافظ على نقاوة تراكيبها وصفاء أسلوبها وعربية مفرداتها، والمغرب اليوم يقع على عاتقه دين إعادة هذه اللغة الصافية إلى حظيرة الوطن العربي كله نقية الأسلوب خالصة المفردات والتراكيب.

ومن أسرار استمرار العربية بالمغرب قدرة هذه اللغة النادرة على معالجة الأفكار الأدبية والآراء المعنوية بأسلوب حقيقي أو مجازي، بطريقة حسية أو معنوية، بأسلوب حقيقي أو مجازي، بطريقة حسية أو معنوية، والمتتبعون لتطور العربية منذ نشوئها متفقون جميعا على

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٤٤