دعوة الحق، س.6، ع4 /يناير 1963 .................... ص 40
استمرار العربية بالمغرب
للأستاذ: عبد الله الكامل الكتاني
اللغات مؤسسات اجتماعية كالكائن الإنساني له اسم يميزه عن بقية الأسماء، وجنسية يعرف بها بين الأوطان، وأوصاف يختص بها دون سواه.
من هنا كان اسم اللغة التي يتحدث بها أهل المغرب «العربية» ولهذه العربية جنسية هي جنسية «الوطن العربي» بحدوده الجغرافية المعروفة، ومن أوصافها التي اختصت بها دون سواها ظاهرة البقاء والاستمرار.
وتبدي الملاحظة البسيطة اتصالا وثيقا بين هذه الأوصاف الثلاثة: «العربية» و «الوطنية أو الجنسية» و «الاستمرار» فكلما اتخذت بلدة «العربية» و «استمرت» في اتخاذها كذلك، كان هذا دليلا على دخول هذه البلدة في الحظيرة الجغرافية للوطن العربي، وكلما انعدمت ظاهرة الاستمرار هذه قام ذلك دليلا على أن البلدة التي استعربت خلال زمان ـ طويل أو قصير ـ ولم تستمر فيها العربية، ليست من الوطن العربي: ذلك ما حصل في فارس التي استعربت دينا ولغة بعد الفتح الإسلامي وكان فيها أدباء وشعراء وعلماء، ثم استعجمت بعد استعراب رغم أنها بقيت على الإسلام، ومثل هذا حصل في الأندلس التي استعربت هي الأخرى لغة ودينا، ثم ما لبثت العربية ودينها أن خرجا من ذلك القطر بعد أن استوطناه زهاء ثمانية قرون وهي مدة ليست باليسيرة في حساب التاريخ وحياة اللغة.
ومثل ذلك حصل أيضا في جزيرة مالطة بعد خروج العرب المسلمين واستيلاء النصارى عليها، ظلت العربية لسان القوم في معاملاتهم ومحاسباتهم وفي دواوينهم ومؤسساتهم المختلفة، وظل ملوكها ورؤساؤها زمانا طويلا تطرب للقصائد العربيات حين تمدح بها، غير أن واحدة من هذه البدان الثلاثة لم تستمر فيها لغة العرب لأنها لم تكن يوما ما وطنا عربيا فخرجت منها العربية مثلما دخلتها تاركة بعض آثار لسانها ولهجاتها في لغات القوم.
.. ودخلت العربية المغرب مع الفتح الإسلامي، فوجدت لها فيه وطنا ومهدا .. ومن ثم كان استمرار العربية بالمغرب» إلى يومنا هذا وإلى يوم الدين.
ورغم أن واقع العربية بالمغرب ليس بذلك الواقع المزدهر الغني، فإن ظاهرة الاستمرار تتأكد فيه وتزداد رسوخا من يوم إلى آخر بهذا الشكل أو ذاك.
فالإدارة المغربية في كل عهودها، وحتى في عهد الحماية البغيض لم تكن في يوم ما فرنسية خالصة ـ مائة في المائة كما يقال ـ بل كان استمرار العربية يفرض نفسه في كل مرفق من مرافق الحياة الإدارية بالقدر الذي تسمح به الظروف، ولست هنا لأحاول استقصاء مظاهر هذا الاستمرار الإداري في مختلف صوره وأشكاله، وإنما أكتفي بالإشارة إلى أن «الجريدة الرسمية» التي أصدرتها الحماية الفرنسية قد نصت على أن هذه الجريدة ستصدر بالعربية والفرنسية معا، وإن كان هذا لم يطبق بالفعل إلا ضمن حدود ضيقة جدا، كما أن معاملات الناس وبيوعاتهم وعقودهم ومواثيقهم وهباتهم فيما بينهم وسائر متعلقات «أحوالهم الشخصية» المختلفة ظلت محاكم القضاة الشرعية تحررها باللغة العربية، كما أن «خطب العرش» في كل سنة كانت العامة والخاصة من الناس تستمع إليها باللغة العربية، و «خطب