تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إنه موزع على الأقاليم وعلى أطراف البلاد، الشيء الذي ساعد باستمرار على بقاء الروح الفردية وتكون النزعات الإقليمية والمحلية والقبلية، ثم إن هنالك حادثا تاريخيا كان له الأثر البالغ في المجتمع المغربي خلال القرون الوسطى، وهو الهجرة الجماعية لعرب بني هلال وبني سليم إلى المغرب، الشيء الذي أخل عدة أجيال بالتوازن القبلي الذي كان يعيش عليه المغرب.

والحقيقة أن النظام القبلي الذي كان مستحكما في البوادي المغربية وما نجم عنه من أنواع الصراع الداخلي خلق نوعا من عدم الاستقرار المزمن في المجتمع المغربي، وحالة عدم الاستقرار هاته تقل وتتلاشى أحيانا إذا كانت السلطة المركزية قوية ولكنها لا تلبث أن تعود إلى الظهور وتتفاحش عند فتور تلك السلطة وضعفها.

أضف إلى هذا أن المغرب لم يكن يعيش لنفسه، بل كان يشعر بأنه مكلف برسالة تاريخية تتجاوز حدوده الجغرافية، فقد كان يشعر قبل كل شيء أنه مسؤول عن الدفاع عن الإسلام وتمكينه في المنطقة التي يوجد بها سواء في ناحية الشمال تجاه إسبانيا وأوربا أو في ناحية الجنوب تجاه الصحراء وإفريقيا السوداء. وكان عليه بالخصوص أن يدافع عن الدولة العربية في إسبانيا وقد دامت هاته المهمة قرونا عديدة وكلفته مجهودات وتضحيات، ومن جهة أخرى كان المغرب يشعر خلال تلك الحقبة بأن عليه تقع تبعية توحيد الشمال الإفريقي أو كما نسميه الآن المغرب العربي، وقد صرف همته لتحقيق هاته الفكرة واستطاع أن ينجح في ذلك في بعض العصور، وكل هذا لم يكن ليخفف عنه العبء ويسهل عليه الحياة الصعبة التي انغمر فيها.

وطبيعي أن تؤثر هاته الأوضاع التاريخية على المجتمع وتكيفه تكييفا جديا وأن تكون للمزايا الحربية المقام الأول في التقدير الرسمي والاجتماعي، ولذلك فلم يكن من الممكن أن تبرز حياة ثقافية وإنتاج ثقافي متنوع في مشاربه واتجاهاته، بل إن الأدب كان في الغالب أدب رجال لهم صلة بالدولة عن طريق الخدمة أو القرب، لأن المجتمع لم تكن تتوفر فيه الظروف لظهور نشاط فكري تلقائي ومستقل، فنحن عندما نستعرض كتابنا وشعراءنا المغاربة، نجد أن طائفة كبيرة منهم كانوا إما وزراء وإما موظفين سامين وإما من المقربين إلى الدولة بصفة من الصفات.

ثم إن المغرب وهو دولة حرب وجهاد كان يشعر بأن مهمة الأدب والفن والثقافة، بصفة عامة ملقاة على عاتق الأندلس التي زخر فيها بحر العلم والأدب منذ أوائل الأمويين، وكانت الأمور تجري كما لو كان هنالك توزيع أدوار بينه وبين الأندلس أن ترفع لواء العلم والأدب والفنون الجميلة وتسهم في بناء الحضارة المغربية.

يتضح مما سبق أن دخول الإسلام إلى المغرب أحدث ثورة فكرية عامة في البلاد وأوجد من العدم ثقافة عربية إسلامية انطبعت بطابع البلاد وظروفها وكانت لها مميزاتها التي تبرز شخصيتها، وبعد أن عاشت تلك الثقافة طورا من الوثوب والتفتح الذهني، عرفت طورا آخر من الجمود دام إلى أواخر القرن الماضي أي إلى حدوث الثورة الفكرية التي نجمت عن اتصالنا بأروبا، وقد حان الوقت لنتكلم عن تلك الثورة التي المعنا إليها.

ـ يتبع ـ

سلا ـ محمد زنيبر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٤٢