تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ممات، جعل للدين تأثيره العميق على كل مظاهر النشاط في المجتمع وفي مقدمتها النشاط الثقافي، ولذلم فلم يكن من الميسور أن تستقل الفروع الأدبية وتعرف النمو والاتساع اللذين نشاهدهما في الشرق وفي الأندلس.

نعم، كان هنالك شعر ونثر ونبغ كتاب وشعراء وتكونت مجالس وأندية أدبية في الحواضر الكبرى وفي قصور الكبراء، ولكن النشاط الأدبي في هاته البلاد لم يبلغ الشاو الذي كان له في المشرق أو في الأندلس ورغم المجهودات المشكورة التي يبذلها اليوم بعض المؤرخين المغاربة لاستكشاف نبغائنا في الأدب خلال القرون المنصرمة، فلست أشك لحظة في أنهم لن يعثروا مطلقا على كاتب أو شاعر مجهول يضاهي الجاحظ، أو أبا حيان، أو المتنبي، أو أبا فراس، وكل ما سيعثرون عليه في الواقع هو محاولة بعض الفقهاء والمدرسين وبعض كتبة الدولة وخدامها الذين كانوا يتعاطون في الغالب للأدب من باب التلهي وتزجية الفراغ، ويجب القول كذلك أنه لم يكن بالمغرب بلاط يشبه بلاط العباسيين في بغداد أو الأمويين في قرطبة حيث كانت حرفة الأدب تجد سوقا لنفاقها وحيث كان الأدباء يستطيعون أن يعيشوا من إنتاجهم دون التعاطي لأن مهنة أخرى.

وعلى أي فإن النشاط الثقافي الذي كان له رواج بالمغرب هو ذلك الذي يتصل بالحياة الواقعية للمغاربة، تلك الحياة التي تتمثل في نظامهم الاجتماعي والاقتصادي، من جهة، والتي يعبر عنها، من جهة أخرى، وضعهم الجغرافي والتاريخي الذي حملهم طيلة القرون الوسطى وحتى بداية القرن العشرين مسؤولية الوقوف في الخط الأول للدفاع عن البلاد الإسلامية ضد الحملات الصليبية والاعتداءات الاستعمارية.

الثقافة العربية الإسلامية في مصر وفي المغرب:

تلك بعض الميزات التي تبرز الطابع المغربي في نسجه الفريد وطرافته، ولكي نزيد أفكارنا وضوحا في هذا الباب، سيكون من المفيد أن نقوم بمقارنة تاريخية، فندرس مثلا المصير الذي عرفته الثقافة العربية الإسلامية في بلدين كالمغرب ومصر، فكلا القطرين استعربا بعد الإسلام، وكلاهما تلقيا الثقافة الإسلامية واللغة العربية مع الدين الجديد، ولكن، عندما ننظر إلى التطور الذي عاشته تلك الثقافة هنا وهناك، سرعان ما يبدو لنا أن الفروق تتسع مع تقدم الزمان، ولسنا هنا بصدد إصدار حكم بالقيمة، ولكن قولنا يقتصر على تقرير الواقع لا أقل ولا أكثر.

ففي وادي النيل، أمكن للثقافة أن تستفيد من عدة عوامل فتكسب خصبا وتنوعا وتلج كل الأبواب وتسير في اتجاهات مختلفة، ولا غرو، فالبلاد ذات حضارة قديمة امتزجت بحضارات أخرى من فارسية وفينيقية ويونانية ورومانية، الشيء الذي أهلها لأن تهضم بسرعة الدين الجديد والثقافة العربية الإسلامية، ثم إن المجتمع المصري يعيش متكاثفا، وإن شئت فقل مزدحما، حول وادي النيل، وهذا التكالف أو الازدحام يخلق حياة اجتماعية قوية، وهذه بدورها تهيئ الظروف المادية والمعنوية لنشوء ألوان من الثقافة.

أضف إلى هذا مركز مصر الجغرافي الذي يضعها وسط الدول الإسلامية من شرقية وغربية تستفيد من الجهتين وتلتقي فيها كل التيارات والمذاهب، ثم أن تاريخ مصر الإسلامية هيأ لها كل أسباب التنوع الفكري والثقافي، فمصر وإن لم تحظ بالاستقلال السياسي الذي استمتع به الغرب، فإنها عرفت دولا مختلفة ومذاهب وأساليب متنوعة في الحكم والإدارة، منها العربي والتركي والعباسي والأيوبي والفاطمي والطولوني الخ .. بحيث تنوعت ذهنية الحاكمين والمحكومين على السواء، واستطاع البلاط المصري في بعض الأوقات أن يضاهي البلاط العباسي من حيث ازدحام الشعراء، والأدباء على أبوابه.

ثم لا ننس أن مصر كانت تعيش لنفسها وتستهلك أدبها ولم يكن لها ما يشغلها عن ذلك ويصرف جهودها إلى غايات أخرى، ومن الطبيعي في ظروف كهاته أن يقع طلب للأدب وإقبال عليه، ناهيك بما للمزاح المصري المنطوي على المرح والدعابة والتفاؤل من دور في تنشيط الحياة الأدبية وشحذ خيال القصاصين والشعراء والمؤلفين.

أما في المغرب، فقد عرفت الثقافة العربية الإسلامية مصيرا آخر ووجها آخر، فالمجتمع المغربي غير مزدحم كما هو الشأن في وادي النيل،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٤١