تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النهاية أنها كانت عامل إخصاب وتنويع وتوسيع للإنتاج الثقافي بصفة عامة.

وفي العهود التالية، حيث دب الضعف إلى الدولة العربية الإسلامية، وانقسمت إلى دويلات متعادية، وانتشرت الفوضى واستحكمت الإقطاعية، فقد المسلمون روحهم الثورية الوثابة، وحل الجمود محل الحركة، والخوف محل الثقة، وغدا المجتمع الإسلامي محافظا أشد ما تكون المحافظة، يخشى كل فكرة جديدة وكل روح نقدية، وفي سبيل الإبقاء على أوضاعه لم يكن بيده إلا وسيلة واحدة، هي نكران القيم الفكرية، فما دامت الأفكار تتصرف وتروج بحرية، يمكن الأمل في الإصلاح وتقويم الاعوجاج في المجتمع، ولكن حينما يحكم على الأفكار بالجمود، تغلق أبواب الأمل كلها.

وقد ظهر أثر هذا الجمود في الكتابة بصورة خاصة، فالنثر العربي لم يعد يعبر عن أية فكرة جديدة بل عن أية فكرة بالمرة، وإنما هو تنميق الفاء ووصل جمل مسجوعة، وأصبح الكتاب يخفون فقرهم العقلي وراء تركيبات لفظية معقدة، والواقع أن الكتاب كانوا يخافون من التفكير، فالتفكير أصبح في عهد الانحطاط وصمة يجب على «العاقل» أن يجتنبها، ومحنة ابن رشد وابن تيمية والتقولات التي حامت حول ابن خلدون إن هي إلا أمثلة مشهورة.

مميزات الثقافة المغربية:

وإذا رجعنا إلى المغرب بكيفية خاصة، نجد أن المجتمع المغربي كان صورة مصغرة للمجتمع العربي الإسلامي في مظهره العام، فقد عرف هو أيضا عهد الوثوب العقلي والثقة بالنفس، كما عرف فيما بعد عهد الانحطاط والتراجع، إلا أن المجتمع المغربي له وسط هاته المظاهر العامة مميزاته التي تجعل لثقافته طابعها الخاص.

وهاته المميزات هي وليدة المزاج المغربي والعادات المغربية ونوع الحياة التي يعيشها المغاربة في بلادهم، ووضعهم التاريخي والجغرافي، ونحن لو أخذنا على أنفسنا استكشاف تلك المميزات بجزئياتها وتفاصيلها لتطلب ذلك منا بحثا طويلا، ويكفي في هذا المقام أن نبرز ظاهرتين أساسيتين رافقتا تلك الثقافة في مختلف عصورها وكان لهما أثر عميق في تكوين شخصيتها:

أولا ـ إن الثقافة المغربية يغلب عليها الاتجاه العلمي أكثر من غيره، وهذا راجع إلى طبيعة الشعب وميوله الفطرية، ثم إن المغرب بلاد فلاحة وتجارة ومعاملات على اختلاف الأنواع، وهذا النشاط الاقتصادي يخلق بالضرورة لونا من الثقافة يطابقه ويتجاوب معه، فلا جرم إذا رأينا الفقه يزدهر بصورة خاصة ويحتل المقام الأول من بين العلوم التي تدرس في المعاهد والمساجد، والنوازل الفقهية، كما لا يخفى لا يقع تكاثرها إلا حيث يأخذ النشاط الإنساني مظهره الأقوى.

ثانيا: إن الثقافة المغربية ارتبطت ارتباطا وثيقا بالدين، ولم تستطع أن تخرج عن الدائرة الدينية، فتستقل فروعها الأدبية، مثلا، وتنمو وتتسع كما حدث في الشرق وفي الأندلس، فليس لدينا كتاب من نوع الجاحظ وأبي الفرج الأصبهاني وابن عبد ربه، والواقع أن التأثير الديني متغلغل في الإنتاج الأدبي والفني والثقافي، بصورة عامة، وتلك ظاهرة يفسرها وضع المغرب من الوجهة الجغرافية والتاريخية، فالمغرب يقع في آخر العالم الإسلامي وفي جوار الدول المسيحية التي كانت في عراك صليبي طويل مسترسل مع بلاد الإسلام.

والحق أن المغرب كان أحد ثغور الإسلام النشيطة المتحركة، منذ أن ضعفت الدولة العربية بإسبانيا، وهو في حروب متواصلة مع إسبانيا الكاثوليكية، يضاف إلى ذلك ما كان له من حروب ومناوشات مع دول أوربية أخرى منذ خروج العرب من الأندلس.

كان من نتائج العداء الصليبي أن أذكى روح الجهاد لدى المغرب المسلم، وهكذا تأسست رباطات المجاهدين في مختلف أنحاء البلاد، وأصبح شعار المغاربة بعد ضياع الأندلس وتكالب الدول المسيحية على الشواطئ المغربية هو نصرة الإسلام والدفاع عنه.

وظهرت الصوفية المغربية تحت فعل هذه الأحداث التاريخية في مظهر طريف يجعلها جديرة بأن تكون محل درس عميق، وسيكون من المفيد حقا أن تدرس الزوايا المغربية دراسة عميقة سواء من الوجهة التاريخية البحتة أو من الوجهة الوصفية والمذهبية، لأنها تمثل مرحلة مهمة في تاريخ تطورنا الفكري والثقافي.

ومهما يكن، فإن هذا الجو المفعم بالحروب الدينية والذي كان يأخذ أحيانا شكل عراك حياة أو

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٤٠