تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع4 /يناير 1963 .................... ص 36

نحو تحديد محتوى ثقافتنا القومية؛ ثورة وجمود

للأستاذ: محمد زنيبر

- 2 -

إذا نظرنا الآن إلى الموضوع من زاوية التاريخ، يتبين لنا هنالك حادثا مهما في تاريخنا الحديث لازال الباحثون عندنا لم يولوه ما يجب من الدرس والتحليل، إلا وهو الثورة الفكرية التي حدثت في المغرب منذ أواخر القرن الماضي.

وهذه الثورة تكاد تقارب في أبعادها التاريخية الثورة التي حققها دخول الإسلام إلى المغرب منذ ثلاثة عشر قرنا.

الثقافة العربية الإسلامية بين الثورة والجمود:

فلا ننس أن الإسلام، عند تسربه لهاته البلاد، وجد مجتمعا ومعتقدات وتقاليد منها ما هو مغربي صميم، ومنها ما هو مقتبس عن الرومان والوندال وغيرهم. ومع ذلك فقد استطاع أن يقلب الأوضاع كلها رأسا على عقب، ويطوي صفحة الماضي ليبدأ صفحات جديدة، بحيث دخل الفكر المغربي في قالب جديد، قالب الإسلام، وتغير سلم القيم الروحية والأخلاقية والعقلية.

ونشأت الثقافة العربية الإسلامية في هاته الديار، وكانت في الحقيقة أول صورة للثقافة المغربية منذ بداية التاريخ، ونمت هذه الثقافة وتنوعت وانتشرت بين مختلف العواصم المغربية والمراكز العلمية في الحاضرة والبادية، وانتقلت في مراحل مختلفة ونبغ فيها رجال وقادة، وتأثرت بمؤثرات خارجية أتت من الشرق ومن الغرب على السواء، وقصارى القول، إنها نشطت وتحركت على قدر ما كانت تسمح به الظروف والمستوى الفكري العام.

إلا أنها منذ نشأتها إلى أواخر القرن الماضي ظلت تسير على سنن تطوري بطيء، إن لم نقل أنها وقفت بالمرة، فلم تشاهد أي تحول أو أي انقلاب، بل إنها بالغت في الوفاء لنفسها وتجاوزت كل حد في الانطواء على جذورها، بحيث كان عهدها الأول عهد الانطلاق وتفتح وحرية فكرية واجتهاد عقلي، وتدرج فيما بعد إلى عهد ساده الجمود ونضبت فيه ينابيع الخلق والابتكار وأصبح الاجتهاد مدعاة للانتقام والاضطهاد.

وبعبارة أوضح، إن الثقافة العربية الإسلامية في المغرب ـ ويمكننا أن نقول في عموم بلاد الإسلام ـ عاشت أزيد من اثنى عشر قرنا على انطلاقتها الأولى، التي استمدتها من الروح الثورية التي برز بها الإسلام في دياجير القرون الوسطى، ولكنها عجزت طوال هذه الحقبة أن تحتفظ إلى النهاية بطابعها الثوري.

ذلك أنها مرتبطة بالحالة التي كان عليها المجتمع الإسلامي في مختلف عصوره تعبر عن نفسيته وتتأثر بالقوى السائدة فيه، ففي العهود الأولى، حيث كان يشعر العرب والمسلمون أنهم حملة رسالة انسانية وإن عليهم أن يقاوموا مظاهر الظلم والطغيان في عالم ذلك الوقت ويطبقوا مذهبا جديدا شاملا في الإصلاح، كانت تلك الثقافة تبرهن عن فكر متفتح وعن إيمان بالعقل، وبلغ من ثقتها بنفسها أنها لم تكن تخشى الاتصال بالثقافات الأخرى، بل إنها رغبت في ذلك الاتصال وقامت به على نطاق واسع، وهكذا عربت كتب عديدة من اليونانية واللاتينية والهندية والفارسية والسريانية، وأقبل عليها القراٍء المسلمون واقتبس منها العلماء والأدباء والفلاسفة العرب، وتبين في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٣٩