تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن لهذه الملاحظة في نظرنا أهمية ممتازة بصدد ما نحن آخذون فيه، ذلك أنه لو صح بمعنى الكلمة الحرفي أن اللغة مرآة التفكير لعكست آجروميات لغات المتمدنين صورة منطقهم السليم، والحال أن أهل تلك اللغات الراقية يشاركون غيرهم من أهل اللغات الموهوم بها التقهقر «لا منطقية» نحوهم على الأقل، وإذن فقد بطل الزعم بأن الألسنة مرايا الأفكار، فيها ينعكس ظلها وشكلها وهيئتها الأولية. ويترتب على هذا ـ هنا بيت القصيد ـ القيمة النسبية فقط التي يجب أن نوليها لضرب من الأبحاث ناجم عن تلك النظرات المبسطة: ذلك هو أمر بسيكولوجيا الشعوب المستندة فيما تستند إلى اللغات المقارنة. إن بعض علماء اللغات المغرمين بالكشوف الطريفة قالوا بإمكان قيام سيكولوجيا «فرقية» لشعب من الشعوب بالاعتماد على طرائق تعبيره اللغوية والتغييرات اللاحقة بمدلولات ألفاظه، ونقطة الانطلاق في هذا النهج إنما هو الافتراض بأن اللغة من صنع العقل الجماعي فلابد أن تكون مستودعا يستقر فيه كل ما نشأ عن هذا العقل من آثار، ومن أمثلة ذلك انصرافهم إلى تفحص اللغات غنى وفقرا من حيث التراث اللفظي الذي بدل على تنظيم بدوي أو حضري، والنهوض به دليلا يدل على عقلية غريزية معينة. فإذا اتفق للانكليزية أن كانت غنية بالألفاظ الاقتصادية، زعم الزاعمون أن أهلها «مفطورون» على التجارة، أو اتفق لليونانية رصيد موفور من الألفاظ المجردة، وللعبرانية حصيلة لا بأس بها من الألفاظ الدينية قال القائلون: لأمر ما كانت الفلسفة في يونان، والنبوءات في بني إسرائيل. لا جرم أن النقاد أجازوا مباشرة مثل هذا البحث إلى حد ما من حيث أن هناك لوينات خاصة نفسية واجتماعية تفصح عنها دراسة خصائص لغة قوم من الأقوام، ولكنهم أبوا أن يقروا (هذا هو موقف فاندريس) بأن تكون معيارا يعايرون به العقلية القومية لعرق من العروق. ولئن طاب لنا مثلا أن نستشف من وراء إطلاق أسماء الحيوانات على الأشخاص عند الألمان أو الفرنسيين ميلا نفسيا عند هؤلاء وأولئك فنتخذ منه شاهدا بحسب الأحوال على عقليتهم المتميزة بالتهكم أو المداعبة أو الاحتقار أو الشتمية، فإنه مما لا يجوز بحال من الأحوال أن نتخذه سبيلا نسقيا إلى بسيكولوجيا «عرقية» كتلك التي باشرها أرنست رونان بحق الساميين ـ والعرب جزء منهم ـ والتي سنتناولها بشيء من التفصيل. ولكن قبل أن نمضي لشأننا نحب أن نفتح معترضة تاريخية فنشير إلى أن القضية ليست جديدة علينا نحن العرب، وأن تاريخنا الأدبي قد سجل منذ القديم آثار المقارنة بين العرب وغيرهم من الأقوام من زاوية اللون المميز أو الهيئة التي تبدو بها على الألسنة ثمار القرائح. ومن أمتع ما في هذا الباب كلام للشهرستاني من رجال القرن السادس الهجري (الثاني عشر م) فقد قال في الملل والنحل: (من الناس من قسم أهل العالم بحسب الأقاليم السبعة، وأعطى أهل كل إقليم حظه من اختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها الألوان والألسن، ومنهم من قسمهم بحسب الأقطار الأربعة التي هي الشرق والغرب والجنوب والشمال، ووفر على كل قطر حقه من اختلاف الطبائع وتباين الشرائع، ومنهم من قسمهم بحسب الأمم فقال: كبار الأمم أربعة: العرب، والعجم، والروم، والهند. ثم زاوج بين أمة وأمة فذكر أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء، والحكم بأحكام الماهيات والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية. والروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات واستعمال الأمور الجسمانية). وسواء أحمل هذا النص كما فعل أحمد أمين في فجر الإسلام ص 49 ـ على محمل الشبه بالرأي الذي قرره بعض المستشرفين من أن «طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى الأشياء نظرة عامة شاملة» أم لوحظ فيه ـ بمثل براعة مصطفى عبد الرزاق ـ استعداد العرب وميلهم إلى «الأحكام الكلية والأمور العقلية والمجردات» ونزوعهم إلى «الروحانيات» فإن فيه التفاتا إلى قيام رابطة من شأنها أن تتميز بالدقة والإحكام بين تفكير العرب ومظهر هذا التفكير، وقد سبق لصاعد الأندلسي (المتوفى قبل الشهرستاني بزهاء بضعة عقود من السنوات) أن تحدث بهذا المعنى في طبقات الأمم (*) فقال عن العرب: «وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله عز وجل شيئا منه، ولا هيأ طباعهم للعناية به، ولا أعلم أحدا من صميم العرب شهر به إلا أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، وأبا محمد الحسن الهمداني». هذا، ولا ننسى أن ننبه في هذا المقام على موقف ابن خلدون حول المقارنة التي نحن بصددها، ذلك الموقف الذي ربما رمي بالشعوبية من أجله ـ ولكن ظلما

* ص 45 (طبعة بيروت)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٣٤