تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البسيكولوجي إلى استحالة تلبسها بثوب البيان الكلامي وهذا ما أشار إليه المتنبي منذ ألف سنة في بيته الخالد:

رب ما لا يعبر اللفظ عنه والذي يضمر الفؤاد اعتقاده

ولكن الحال السوية والعامة إنما هي اتخاذ القول وسيلة للإفادة عن المشاعر، وإن يكن من الواجب التحفظ على هذا الإطلاق بالصيغة التي أجملت في بيت الحطيئة على نحو عبقري:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلا

كيف ما كان الأمر فإن الألسنة تظل الأدوات الوحيدة لإبلاغ المقاصد، وإن شئتم فقولوا إنها ضروب من التكنيك نستعين بها على الخروج من ذواتنا والنفاذ إلى الآخرين، وهي، ككل ضروب التكنيك، قيمتها متوقفة على درجة صلاحها للوصول إلى الغرض الذي ابتغيت من أجله، وعلى مقدار حظها من التطور (الذي هو مرتبط بمبلغ مرونتها وقابليتها للتكييف) يكون نفعها وجداؤها ومردودها، فاللسان المتطور إنما هو ذلك الذي قدم للفكر من بين جميع المخططات الصوتية الممكنة خيرها للترجمة عن الدقائق الخفية التي تدور في خلده، وهو ذلك الذي وفر لصاحبه، بما وضعه في يده من آلات التحليل، قدرة على تمييز مفاصل الفكر تمييزا واضحا مبينا، هو ذلك الذي وفق لاختراع قوالب في التعبير تنصب فيها المعاني بيسر وسلامة، ولكن دون أن يورثها القالب من جراء صلادته تحجرا لا سبيل معه إلى نمو حي، وبعبارة أبسط هو ذلك الذي تجاوب مع التفكير في حركته الموارة فلم يعوق مجرى تلك الحركة، بل أعانها على التقدم المطرد.

ولعل هذه الخصلة التي أتينا على بيانها هي التي دعت إلى قيام علم اللغات المقارن لتتضح الخصائص المييزة لكل لغة من اللغات فتتجلى بذلك خصائص فكر أصحابها، وعندها يحصل التساؤل بصورة طبيعية: أي الألسنة أدى دوره خير أداء؟ وأيها أحق أن يصطنع لكونه أدنى إلى المثل الأعلى وأشدها تكاملا إن لم يبلغ مرحلة الكمال؟.

والواقع أنه قد أجريت بالفعل أبحاث مستفيضة في فقه الألسنة (في مظهريها السيمانتكي والمورفولوجي) واستندت هذه الأبحاث على دراسة المعاجم من جهة، وعلى دراسة الأجروميات من جهة أخرى، وانتهي فيها إلى حقائق ثمينة بالنسبة إلى أكثر اللغات. ولست بحاجة إلى أن أشير إلى الجهد المنقطع النظير الذي بذله علماء العربية الأقدمون في هذا الميدان، وإن كتبا كخصائص ابن جني، ومجمل ابن فارس، ومزهر السيوطي هي من الكنوز النادرة التي لا تقل في شأنها بالنسبة للغتنا عن شأن كتاب ككتاب برونو الشهير «الفكر واللغة» بالنسبة للسان الفرنسي، إلا أن هذه الدراسات على جلالة قدرها أشبه بأن تكون «مونوغرافيات» أو تحاليل مستقلة للغة بعينها، وليس يقوم علم اللغات المقارن إلا إذا كانت هذه التحاليل استنفادية تستغرق لغات الأرض بحذافيرها فلا تدع منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها واستوفتها دون تفريط في جانب من الجوانب ليمكن بعد ذلك قيام «تركيب» سليم بالمعنى العلمي الصحيح. وعلى الرغم من أن تركيبا علميا كهذا لما يتوصل إليه، فإن المحاولات الجدية التي باشرها أصحاب فقه اللغات المقارن أسفرت عن بعض الحقائق الخطيرة، ومن هذه الحقائق حقيقة أحب أن أشير إليها بصورة خاصة نظرا لأهميتها بالنسبة للموضوع الذي نعالجه وهي عدم التوازي بين المنطق والأجرومية، أي أن نظام الفكر وقواعد العبارة غير متلازمين ولا متساوقين، ولذلك استوى من حيث القيمة تقديم الفعل على الفاعل في بعض اللغات وتأخيره عنه في بعضها الآخر، على الرغم من قيام ترتيب منطقي بينهما من حيث الأصل وبتعبير آخر، إن مقولات المنطق (وهي العلاقات الصورية المختلفة التي يعتبرها الفلاسفة سائدة التفكير: كالكيف والكم والجوهر والعرض. الخ .. ) لا تطابق «مقولات» النحو وهي أجناسه الكبرى إن صح التعبير (كالاسم والفعل والحرف والتذكير والتأنيث والبناء والصرف والإفراد والتعديد والتثنية وهلم جرا .. ) فهنالك من جهة لغات تتفاوت في عدد الصور النحوية زيادة ونقصا، والتثنية التي عندنا بالعربية لا وجود لها بالفرنسية، كما أنه في بعض اللغات مدلولات لا جنس لها (شأنها كشأن الملائكة) أي أن أرباب تلك اللغات يزيدون على ما عندنا شيئا (حياديا) لا ندخله نحن في تأنيث ولا في تذكير.

ومن جهة ثانية، ليس لبعض أنحاء التفكير صورة نحوية إلا في بعض اللغات فقط، ولئن كانت أكثر اللغات متسعة للمقولات التقليدية (كالعشر الشهيرة عند أرسطو) فما أبعد مقولات ذهن كذهن كانط أن تجد لها كفاءة في سواد اللغات المتطورة العريقة في المعرفة بله الابتدائية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٣٣