وبهتانا ـ فالمعروف أن الرجل خاض في انصراف العرب عن الفلسفة والعلوم العقلية، ولكن التحليل الدقيق الذي تجلت به نظرية مفكرنا العبقري الفذ إنما يستند إلى الشرائط الاجتماعية التي أحاطت بالعرب من جراء «أحوال السذاجة والبداوة» ثم مشاغل الرياسة «والقيام بالملك» و «الأنفة عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصنائع» (*) أكثر مما يعتمد على اعتبارات عرقية راجعة إلى الجبلة الأصلية .. ولعل في وسعنا أن نصل بين كل دعوى من هذا القبيل وما كان جرى على قلم الجاحظ في البيان والتبيين (ج3 ص12/ 13)، فقد قرر أبو عثمان صادرا ولاشك عن اسم قلب وأطيب نية «أن كل كلام للفرس، وكل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكير ودراسة الكتب، وحكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم، وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام ... »
بعد هذا الاستطراد التاريخي الذي لجأنا إليه، نرتد إلى صلب الموضوع لنستعرض رأيا خطيرا لا يزال يتمتع بالأهمية حتى يومنا هذا، بل لعل أهميته اليوم أشد خطرا مما كانت عليه في أي يوم.
منذ قرن من الزمان كتب المستشرق الفرنسي الكبير أرنست رونان كتابا اسمه (مترجما للعربية): «تاريخ عام ونظم مقارن للغات السامية»، ولقد طارت شهرة هذا الكتاب وأصبحت مادته زادا يطعمه كل من تناول امتنا ولسانها برأيه ولسانه. ومحصل ما انتهى إليه من مذهب في أمرنا يقوم على اكتشاف دعوى واحدة كانت له بمثابة المفتاح يفتح به أبواب التعليل جميعا إلا وهي دعوى (الوحدانية) التي هي آية السذاجة والبساطة في العقل السامي، الساميون موحدون بالطبيعة، والتوحيد من شأنه البساطة والسذاجة فعلى ذلك تخريج كل الاستنباطات التي ولدها بنبوغه وطول باعه في الفيلولوجيا، ومن ذلك أن الساميين لا يمكن تعريفهم إلا بالسلب: ليس لهم ـ والعرب أصفى عناصرهم ـ لا علم ولا فلسفة، ولا شعور باللونيات، ولا خيال خلاق، ولا فنون تشكيلية، ولا آداب ملاحم، ولا أساطير تبنى على التصور، ولا سياسة معقدة، ولا تنظيم مدني ولا عسكري، ولا أخلاق موضوعية، شعرهم رتيب وذاتي، وفكرهم ينقصه التطلع، والمتناقضات لا تفعل فيه: ترى العربي أمام الروايات العجيبة والمشاهد المذهلة خلوا من كل تفكير مكتفيا أن يقول لك: إن الله على كل شيء قدير، كما أنه في حالات الشك بين المذاهب المتناقضة، يفر من حيرته بقوله: والله أعلم .. ومن غير الوارد أن تحتج للعرب بما لديهم من فلسفة، إنما هي تلفيقات منتزعة من الإغريق كتبت بالعربية، وليس لها أصل ولا «جذر» في شبه جزيرة العرب، لأن العرب غير قادرين على شيء من التعقيب والتركيب، فبدلا من اعتبارها إنتاجا طبيعيا لعقل سامي، أولى بالمرء أن يعتبرها بمثابة ارتكاس على الإسلام واجهته به عبقرية الفرس الهندوأوربيه (*).
ولقد مضى رونان إلى اللغات يستمد منها تأييد هذه الدعوى فلاحظ أن اللغات الآرية هي لغات التجريد والميتافيزياء، على حين أن اللغات السامية لغات الواقعية والحس، وهذا نموذج من كلامه: «إن اللغات الآرية تنزع قبل كل شيء إلى المثالية ( ... ) وذلك بمرونتها الرائعة، ووجوه إعرابها المختلف وأدوات ربطها الدقيقة، وكلماتها المركبة، وعلى الأخص، لسرها العجيب فيما يعرف عند اللغويين بـ «القلب» Inversion تلك الطريقة التي تتيح الاحتفاظ بنظام الأفكار الطبيعي دون إضرار بالعلاقات النحوية، أما إذا تأملنا اللغات السامية، فسرعان ما يسوغ لنا الظن بأن الإحساس وحده ساد أوائل التفكير البشري، وأن اللسان ما كان ـ بادي الرأي ـ إلا انعكاسا للعالم الخارجي، ولو استعرضنا سلسلة الجذور السامية، لصعب علينا أن نجد فيها ما يخلو من الابتداء بمعنى مادي ينتقل منه فيما بعد إلى الأمور العقلية بوسائط تتفاوت في درجتها المباشرة زيادة ونقصا (*)» ثم يسرد بضعة أمثلة عبرية يؤخذ منها أنه للإبانة عن غرض نفسي لا بد من اللجوء إلى مدلولات تتسم بسيماء الحوادث الفيزيولوجية، فالغضب يلحظ فيه النفس الحار والغليان، واليأس انحلال القلب، والهلع انخلاع الكلى، والكبرياء ارتفاع الرأس، ويجد مثل هذا في العربية فيأتي بمثالين: «غفر»
*) 540 (طبعة بولاق)
*) راجع الفصل الأول من كتابه
*) ص 22 من المصدر نفسه